رمزية "خاشقجي".. كيف كشفت قضيته زيف الأخلاق لدى الدول؟

blogs جمال خاشقجي

سنحاول من خلال هذا التحليل أن نتطرق لموضوع مقتل الصحفي "جمال خاشقجي" بحيث المتتبع للأحداث يجد نفسه أمام خطابين متناقضين من حيث الظاهر، خطاب يعتمد على منطق المصلحة، وخطاب ينطلق من حتمية المراجعة الأخلاقية بين الدول، وعليه فهذه القضية لها رمزية في العلاقات بين الدول، وهذه الرمزية تنطلق في التحليل الواقعي من تجاوز ما تبدو عليه القضية وما تتداوله وسائل الإعلام والخطابات إلى عمق الخطاب وطريقة تفكير وتعامل الدول والفواعل الأخرى مع القضية: هل من منطلق منطق المصلحة أم حتمية المراجعة الأخلاقية؟ وعليه ينطلق هذا التحليل من العناصر التالية:

1. قضية "جمال خاشقجي": الصمت الاستخباراتي والتعبئة الإعلامية
2. مسارات قضية "خاشقجي" والتفكير العقلاني للدول
3. الكذب على الذقون وأوهام المراجعة الأخلاقية بين الدول

قضية "جمال خاشقجي".. الصمت الاستخباراتي والتوظيف الإعلامي:

طرحت قضية "جمال خاشقجي" الكثير من التساؤلات من حيث طريقة القيام بالعملية إلى من قام بها ولمصلحة من؟ فمن حيث المنطلق فلا يمكن أن تتم عملية بهذا الشكل بدون علم للمخابرات في القضية سواء السعودية أو التركية أو حتى الأمريكية، وحتى كثير من الدول التي لها قدرات استخباراتية كبيرة وتمتلك معلومات مسبقة عن القضية. فمن غير المنطقي أن مخابرات بحجم تركيا والولايات المتحدة الأمريكية لم يكن لها علم بمقتل "خاشقجي" وخاصة تركيا التي تمت العملية فوق أراضيها، فهي تعلم التفاصيل وتقوم بإدارة القضية بما يخدم مصالحها مع السعودية إقليمية والدولية، وبهذا تبقى إدارتها للقضية من إظهار أو إخفاء الحقيقة رهينة مصالحها وبالتالي مواقفها تكون من منطلق استشارة وتفكير عقلاني يقدم المصلحة التركية على كل شيء، فهي تريد أن تستخدم هذه الورقة للضغط في قضايا وملفات أخرى.

وبالنسبة للموقف الأمريكي، فالمخابرات الأمريكية أكبر قوة عسكرية في العالم تعرف كيف تصل إلى التفاصيل والمعلومات وهي دولة قادرة على التجسس في كل مكان وأكبر دولة لها قواعد عسكرية خارج حدودها، ومنه فالرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" يستخدم خطاب مزدوج يظهر أنه متناقض ولكنه في الأخير يخدم أهداف في الداخل الأمريكي، وفي الخارج يحافظ على العلاقات الاستراتيجية مع السعودية، وخاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية يصعب عليها إدارة أزمات الشرق الأوسط بذون حليف كالسعودية إضافة إلى قوة التحالف العسكري والمصالح الاقتصادية بين الدولتين، فهي تتخذ مواقف من خلال معادلة واستراتيجية فيها إسرائيل- الأزمة السورية-الدور الإيراني- الحرب في اليمن- طاقة ومناطق عبور- مجال حيوي. ومع مرور الوقت تظهر مواقف بعض الدول التي تأخرت في اتخاذ مواقف ليس انتظارا لنتائج التحقيقات التركية أو حبا في العدالة، بل لدراسة الخيارات والبدائل عن طريق تفكير عقلاني من خلال حسابيات الربح والخسارة وأخص بالذكر دول كـ: فرنسا وألمانيا وبريطانيا والصين.

تفسيرات السعودية أو الولايات المتحدة الأمريكية أو تركيا أو أي دولة أخرى في القضية ينطلق من حسابات الربح والخسارة، فأي دولة إلا وتصنع خطاب من تصورها لمصالحها الاستراتيجية

يضاف إلى دور أجهزة المخابرات وعلاقتها باتخاذ الدول للمواقف، دور الإعلام المركزي في إدارة قضية مقتل "خاشقجي" من خلال دور مجموعة قنوات الجزيرة القطرية" و"قناة العربية السعودية" وقنوات أخرى أمريكية وأوروبية لها أجندتها وأهدافها الخاصة بها، فلا ننسى دورها في غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق وقضية الأسلحة النوية العراقية في عهد صدام فحرية الإعلام بالمفهوم المطلق غير مطروحة، بل لها أجندتها وحساباتها وخاصة أن وسائل الإعلام اليوم لها دور رئيسي في السياسة الخارجية للدول من خلال أهمية المعلومة والدعاية، فمن يملك المال والمعلومات يملك صنع القرار، فالإعلام استطاع إلى حد ما توظيف القضية بما يخدم توجهات ومواقف معينة، ونلاحظ أن بعض القنوات الكبيرة تقوم بدور شبيه بدور أجهزة المخابرات من حيث طريقة جمع المعلومة وتوظيفها في الوقت المناسب ليس للحقيقة أو العدالة.

مسارات قضية "خاشقجي" والتفكير العقلاني للدول:

الخطابات المتناقضة التي تقدمها الدول هي في الحقيقة خطابات مدروسة ولها أهداف معينة، فالدولة في إطار سياستها لا تتعامل بمنطق العاطفة، وعليه التحليل يكون من مطلق أن الدول تفكر بعقلانية وأن العقلانية، ومسألة الاستقلالية في التحقيق في قضية بهذا الحجم وفي ظل تحولات جيواستراتيجية أمر غير مطروح على أرض الواقع. فتفسيرات السعودية أو الولايات المتحدة الأمريكية أو تركيا أو أي دولة أخرى في القضية ينطلق من حسابات الربح والخسارة، فأي دولة إلا وتصنع خطاب من تصورها لمصالحها الاستراتيجية التي تسعى إلى تحقيقها وليس من الحزن أو الدفاع عن حقوق الإنسان في ظل موت الآلاف كل يوم في سوريا وليبيا وفلسطين وبورما، فكل الاحتمالات مطروحة بداية من تورط السعودية في القتل إلى رغبة أطراف أخرة في توريط أو على الأقل الضغط على السعودية أو تشويه دول أو حتى التحضير لإسقاط نظام الحكم فيها.

كما أن الرئيس الفرنسي "ماكرون" أبدى عدم تردده في فرض عقوبات دولية على المسؤولين عنن مقتل "خاشقجي" وتصريح بهدا الشكل هو زيادة الضغط على السلطات السعودية وإحداث شرخ بين تركيا والسعودية وكل هذا يصب في زيادة المكاسب من القضية، كما أن الرئيس التركي " أردوغان" في خطابه أمام كتلته البرلمانية لعب دور رئيس الدولة بعيدا عن دور المدعي العام، فلم يقدم أي جديد في خطابه وحافظ على العلاقة مع السعودية مع زيادة الضغط وإظهار تركيا كدولة تعرف ما تقوم به وتعرف مصالحها. ومن جهة أخرى ستتعلم السعودية الدرس وستدرك أن العلاقات بين الدول لا تقوم على الصداقة بل على المصلحة ويجب عليها القيام بأعمالها ووظائفها كدولة باحترافية أكثر وبدون ترك أدلة تتهم بها كما تفعل كثير من الدول على سبيل المثال لا الحصر: روسيا- إسرائيل- أمريكا- الصين.

فقضايا مثل هذه تديرها دول تفكر بمنطق المصلحة، فيمكن على سبيل المثال أن نعرف أن "خاشقجي" قد قتل، ولكن لا يمكن معرفة لماذا قتل ولماذا في هذا الوقت بالضبط وبهده الطريقة وفي هذا المكان بالتحديد، كلها أسئلة تدفعنا إلى إعادة التفكير وبشكل منطقي في تحليلاتنا التي معظمها من وسائل الإعلام والاتصال، ففي إطار النقاشات والتساؤلات التي تبعدنا عن التحليل الواقعي للأحداث مثل هل ستعاقب الولايات المتحدة الأمريكية السعودية أم لا؟ وهل قامت السعودية حقيقة بقتل "خاشقجي؟ وكيف ستتعامل تركيا مع هذا التجاوز على أراضيها، يبقى الثابت في المشهد أن الدول تفكر في مصالحها بعقلانية وتقدم مصالحها القومية على باقي الاعتبارات، فمهما وصلت إليه التحقيقات في القضية فهي غير مهمة، وستجد هذه الدول روايات تنشرها وسائل إعلام تتلاءم وتتكيف مع الوضع.

الرواية السعودية أو الأمريكية أو التركية تنطلق من رغبة كل طرف إما التخلص من التهم أو توريط والضغط على طرف آخر
الرواية السعودية أو الأمريكية أو التركية تنطلق من رغبة كل طرف إما التخلص من التهم أو توريط والضغط على طرف آخر
 
الكذب على الذقون وأوهام المراجعة الأخلاقية بين الدول:

إن مصطلحات الانزعاج وعدم الرضا والاعتراض الشديد تستخدم في الخطابات السياسية للاستهلاك الجماهيري أما على المستوى الاستراتيجي فهناك بحث عن تحقيق مصالح ومكاسب وتقليل الخسائر والتصادمات التي لا تحقق أي مكاسب، فمسألة المراجعة الأخلاقية للعلاقات الأمريكية-السعودية هي ضرب من الخيال ولا تتم بهده الطريقة التي نتصورها بل يحكمها منطق براغماتي، وهو ما يفسر مواقف الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" من القضية.

 

وحتى الموقف التركي ومسار التحقيق التركي، تبقى هذه المواقف رهينة الحسابات الاستراتيجية لتركيا ومصالحها مع السعودية ومع أمريكا، فمن مصلحة تركيا تشويه السلطة الحاكمة في المملكة السعودية ليحل محلها تركيا كدولة حاملة للواء العالم الإسلامي السني، ومن جهة أخرى ليس من مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية خسارة حليف استراتيجي مثل السعودية حليف يقوم بدور توازن القوى مع إيران في المنطقة ويحافظ على التوازن مع إسرائيل كما ترغب فيه أمريكا في استراتيجيتها في الشرق الأوسط.

فالرواية السعودية أو الأمريكية أو التركية تنطلق من رغبة كل طرف إما التخلص من التهم أو توريط والضغط على طرف آخر وخاصة وأننا نعرف أن الدولة المتهمة هي دولة بحجم السعودية ولاعبين مثل تركيا وأمريكا وبعض الدول الأوروبية، وتبقى المجتمعات العربية تتعامل مع القضية بعواطف وعدم قدرتها على إدراك مصالحها وما يواجهها في المستقبل، فنحن أمة لا نتعلم من التاريخ لتخلفنا العلمي وعدم احتكامنا للعلم واحترام التخصص، وفي وقت ننتظر محاكمة تاريخية لإظهار الحقيقة تكون الدول قد تقدمت في تحقيق مصالحها الاستراتيجية وتوسيع دائرة المكاسب، ويبقى العرب في أوهام تحقيق العدالة والقيم والأخلاق، فالتاريخ من جهة قادر على إظهار الحقيقة، ومن جهة أخرى كتابة التاريخ يكتبه الأقوياء ويفرض على الضعفاء بالقوة. وعليه فرمزية قضية مقتل "جمال خاشقجي" في العلاقات بين الدول تكمن في أن الدول والفواعل الأخرى في العلاقات الدولية تفكر بمنطق المصلحة والبراغماتية بعيدا عن أي مراجعة أخلاقية إلا فيما يخص خطابات لا تسمن ولا تغني من جوع.