أنت لست سعوديا.. فما شأنك بما حدث لخاشقجي؟

blogs جمال خاشقجي

صديقي السعودي غاضهُ كثيراً رد الفعل العنيف والغير متوقع على حد تعبيره والمتمثل في استنكار العالم للجريمة الشنعاء التي أقدم عليها نظام الحكم في بلاده في حق الكاتب البارز جمال خاشقجي. فهو يرى أن القضية قضية داخلية، تخص البيت السعودي والسعوديين حصراً حتى وإن ارتُكبت على أرضٍ أجنبية داخلَ حرمٍ دبلوماسي، ويعتبر كذلك أن ما حصل لا يرقى لمستوى الخطيئة بل مجرد خطأ سياسي لا يستحق كل هذا الاهتمام الدولي وهذه الهالة الإعلامية الواسعة التي أحاطت بها.

استغراب صديقي هذا من موجة الغضب العالمي على إثر مقتل فرد واحد، ينم عن ثقافة معاقة تعتنقها فئة عريضة داخل المجتمعات العربية ممن تجري في عروقهم دماء العبودية والإذعان لاستبداد السلطة. فهم يقدرون الأمور بالمعايير التي يحددها لهم القائد المفدى، ويرون العالم بعدسات إعلامه الرسمي، ولا يثقون ببيانات أية جهة كانت عدا بيانات ديوانه التي يُسلِّمون بيقينيتها كما لو أنها وحي منزل.

بعد مرور أيام على الإقرار السعودي بمقتل الصحفي جمال خاشقجي وازدياد حدة الاستهجان على مواقع التواصل الاجتماعي، بعث إليّ هذا الصديق برسالة إلكترونية كتب فيها: "ما لكم وما يجري في السعودية؟ حسبكم بلادكم. كيف تجرؤون على التدخل في شؤوننا الداخلية؟ هذا تجاوز صارخ وإهانة لن نقبل بها أبداً لسيادتنا. أنتم المغاربة إخوة لنا في الدين، فقط تذكروا جمائلنا وفضلنا الكبير عليكم، ولا أظنكم ناكروه. أ لم تسمعوا بحديث النبي الأكرم الذي يقول أنصر أخاك ظالما أو مظلوماً. ما اعتقدت يوماً أن تنجروا وراء هذه الحملات المسعورة والمؤامرة المحاكة ضد المملكة العربية السعودية وقيادتها الحكيمة".

مطالبتنا بإحقاق العدالة في قضية خاشقجي، مطالبة ضمنية بإنصاف مئات الألوف من المضطهدين والمعتقلين الذين يعذَّبون داخل السجون العربية. فكلنا خاشقجيّو التصور، ماضون في سبيل الحرية والعدالة الاجتماعية

لا يعي صديقي مدى رجعية وظلامية العبارات التي تحملها رسالته، لا شك أنه دبجها بخلفية قَبَلية وهابية صِرفة، هذه العقيدة المشؤومة التي شوهت ودمرت عقولَ أجيالٍ من الشباب عبر العالم. طبيعيٌّ جداً أن يتصرف بهذا الشكل ما دامت بنيته الفكرية صُممت في وسط منغلقٍ ذو ثقافة بئيسة تحت إشراف مشايخ القرون الوسطى ووعاظ السلاطين بتعبير الدكتور علي الوردي. يظن الدولة كيان مستقل عن بقية العالم، حيث يحق لها أن تفعل بشعبها ما تشاء وعلى العالم أن يصمت ويغض الطرف عن كل الحماقات التي يتم ارتكابها احتراما لسيادتها. هكذا يفهم صديقي معنى السيادة.

من الغباء بمكان أن يقدّم المرء النزعة القومية بكل مساوئها على النزعة الأخلاقية ويبرّر جرائم الدولة بدعوى الحفاظ على الاستقرار وتغليب المصلحة العامة للوطن. أقدّر أن هذا النوع من الفهم جريمة في حد ذاته ولا يقل شناعة عمّا اقترفته أيادي الغدر بالصحفي الكبير جمال خاشقجي.

كم هو صعبٌ أمر هؤلاء، فغالباً ما تفشل في محاورتهم ومناقشتهم وبالأحرى إقناعهم. ومع ذلك، تتفضل وتحاول إقناعه كون قضية الشهيد جمال خاشقجي قضية كل إنسان يحلم بالحرية، بغض النظر عن انتمائه الديني والاثني. وأن المسألة لا تتعلق بالسعودية كشعب، وإنما تحاملنا على القيادة المتهورة والمجرمة التي استهانت بالرأي العام الدولي بهدرها دماء إنسانٍ كل ذنبه أنه قال كلمة لا في وجه قائد مستبد، وطالب بأبسط الحقوق لبني شعبه وضحى بنفسه من أجلكَ أنتَ، من أجل حريتك ومستقبلك، فاَثر النفي الإرادي على الاستقرار بوطنٍ لا يتسع لجميع أبنائه.

اجتمعت في دماء خاشقجي دماء كل الذين راحوا ضحية الاستبداد والظلم في كل من سوريا واليمن وليبيا ومصر وفلسطين وباقي البلدان التي حلت بها لعنة الحروب. مطالبتنا بإحقاق العدالة في قضيته، مطالبة ضمنية بإنصاف مئات الألوف من المضطهدين والمعتقلين الذين يعذَّبون داخل السجون العربية. فكلنا خاشقجيّو التصور، ماضون في سبيل الحرية والعدالة الاجتماعية إلى أن يتم تنكيس أعلام الاستبداد وإعلاء راية الديمقراطية. 

لعله يأتي يوم يفهم فيه صديقي السعودي وأمثاله أن ما يربطنا ببعضنا البعض شيء اسمه الإنسانية، تلك الرابطة القوية التي تتجاوز انتماءاتنا وتنمحق عندها كل اختلافاتنا فتهوى من حالق لتقع على الأرض متناثرة كشظايا الزجاج، قوامها التضامن والحب والتسامح بعيداً عن النعرات الطائفية والمنطق العنصري الذي يحض على كراهية الَاَخر والاستهتار بكينونته المقدسة.