عنصريون دون أن نشعر!

blogs مجتمع

الإنتماء كفكرة رافقت للمجتمع الإنساني منذ الفجر الأول للحضارات الإنسانية، كانت الركيزة الأساسية في الحياة المجتمعية، حيث على أساس الانتماءات المشتركة بدأت المجتمعات البشرية بالنشوء، والدفاع المشترك عن الانتماء الأول، انتماء الفرد للقبيلة، فالانتماء حسب تعريف هرم ماسلو للاحتياجات لدى الإنسان يقع في المرتبة المتوسطة بين المراتب، وما بعد الحاجة للأمان، لكن بالوجه الأخر يمكن اعتبار الانتماء أساساً نوع من البحث الفردي للأمان، فالإنسان يسعى بشكل مستمر لبناء الانتماءات والتوافقات الاجتماعية في حياته بحثاً عن الابتعاد عن الوحدة والعزلة، فالعزلة عن المجموعة تعتبر نوع من فقد الأمان، وفي فترة من فترات العصور كانت العقوبة القصوة التي تنزل في الفرد هي العزلة، إذاً فالانتماء وسيلة للأمان وللتقبل من المجتمع المحيط، سواءاً في عمل أو الحي، أو في مذهب فكري معين، فالفرد يبحث عن من ينتمي إليه بشكل مستمر.

في حين أن العنصرية فهي قائمة على التفرقة في الأقوال والأفعال والأحكام تبعاً للون البشرة، مكان الولادة، اللغة، الثقافة، الدين…، عليه فإن فرد ما أو مجموعة من الأفراد يقومون بأفعال عنصرية على أساس هذه الاختلافات، وتكون العنصرية ذات طابع سلبي في التصرف والقول، عليه فإن فرد أو مجموعة أفراد ممارس ضدهم العنصرية، يعاملوا على أساس أنهم أدنى طبقة، فيغيب البعد الإنساني في التصرف على هذا الأساس.

إذاً ما الرابط بين الانتماء والعنصرية؟

الانتماء في المعنى الصحيح يكون قائم على نشوء روح من التعاون الجماعي الخفي في السعر لإنجاح أمر مشترك للجماعة، أو يكون قائم على بث روح الأمن والألفة بين الأفراد، ليكون الإنسان أكثر قدرة على الإنجاز والسعادة مع من ينتمي اليهم، في حيث أن هذا الانتماء يبقى في الحالة الصحية الصحيحة حتى تبدأ حدود التعصب للجماعة والعنصرية ضد كل فرد يختلف عن هذه الجماعة، فيبدأ حينها الانتماء الدوغمائي، القائم على عدم التفكير المنطقي، والدفاع عن الجماعة ضد كل ما يختلف عنها ولو لم يكن خطراً، بل يكون غاية الفرد العنصري فيها هو إثبات مدى انتماؤه للجماعة بمقدار ما يثبت عنصريته ضد غيرها، عليه ينتهي حدود الانتماء وتبدأ مساحات ضخمة من التعصب بكافة أنواعه، فالتعصب قد يمكن أن يرى حتى في أكثر العقول المتحررة، في التعصب لفكرة الحرية مثلاً بما يتناسب وتفسير الجماعة التي ينتمي لها المتعصب، والعنصري ضد كل فكرة غيرها.

كيف ترى العنصرية؟
يقوم الفرد العنصري بالتعميم على الفرد أو الجماعة المضطهدة عنصرياً تبعاً لما يتناسب وأرائه، فيقدم على الحكم والأقوال والأفعال تبعاً لما يراه مناسباً لانتماءاته التي هي بصورة حقيقة تعصب غير معلن

فإن العنصرية تكمن في تلك المقدرة على إطلاق الأحكام تبعاً للاختلاف، وذلك عندما يكون الاختلاف مما لا يد للفرد/الجماعة فيه، كالاختلاف في الثقافة، في الدين، في اللغة أو أي اختلف ينشأ اصلاً وهو سابق للفرد/الجماعة، عليه فالعنصرية تظهر بصور وتعليلات مختلفة وكلها على قاعدة غير منطقية وصحية، كالتعليل بإنهم لا يشبهوننا، أو لا ينتمون إلينا، ولدينا واياهم اختلافات، فيؤول لنفسه الشخص او الجماعة العنصرية (هذا إذا ما بحث العنصري عن تأويل لأفعاله، وغالباً في التصرف العنصري لا يكون هناك من باحث عن سبب الأفعال) ما يراه ويتناسب مع دوافعه النفسية في ضرورة التصرف العنصري، كالاحتجاج بالتخوف من الفرد أو المجموعة المتخلفة، أو كدافع من الحفاظ على البنية الاجتماعية التي ينتمي لها الفرد العنصري، أو بما يتناسب مع دوافع الحماية النفسية والفكرية أو الثقافية أو الجسدية أو الدينية التي ينتمي إليها.

 

ولو أن هذه المبررات لم ترتبط بقاعدة منطقية، وبقياس صحيح للخطر، لكن يأخذ العنصري بأن يقوم بالتعميم على الفرد أو الجماعة المضطهدة عنصرياً تبعاً لما يتناسب وأرائه، فيقدم على الحكم والأقوال والأفعال تبعاً لما يراه مناسباً لانتماءاته التي هي بصورة حقيقة تعصب غير معلن وعنصرية ضد كل من يختلف عنها بأي بعد كان.

ما الذي يدعم أفكار العنصري؟

دائماً ما يعيش العنصري أو الفئة العنصرية في حالة التحدث عند وجود من هم مختلفين (ولو بأقل نسبة من الاختلاف، ك شخصين من قريتين متلاصقتين مثلاً) بصفة النحن وهم، فتنشأ مع النشأة في التفكير العنصري، الذي لا يدرك متى يبدأ مع الفرد في مستوى أفكاره، ويصبح المقياس الفردي قائم بشكل مستمر على "نحن" و"هم"، مما يزيد ارتباط الفرد العنصري بفكرة الـ"نحن"، مما يزيد روح الألفة في الفرد مع الجماعة التي هو منها "ال نحن"، ويزيد باستمرار بالبحث عن الفوارق مهما صغر حجمها ومهما ضعف شأنها في تحجيم ال "هم"، ليحدد الجماعة او الفرد المختلف بصفات ثابتة محددة الأوجه.

 

يكون قادراً فيها الفرد على التعميم المستمر في الصفات، مما يسهل عليه المقدرة على الحكم والتصرف تبعاً لهذه الفكرة، أي أن مجموعة اشخاص من مدينة "أ"، أحد الأشخاص كان لص كبير وهو من مدينة "أ"، عندها وبسبب البنية في التفكير العنصري للفرد فإنه قادر أن يصبغ هذه الصفة أو على الأقل يبقى حذراً مع كل شخص يقابله من مدينة "أ"، لإن الانطباع الأولي عن المدينة "أ" بالشكل الأولي أن فيها لصوص، بالتالي كل فرد من المدينة يجب أن يتم اختباره وكبداية على أساس أنه متهم لا برئ، والعنصرية الأسوأ تكمن في مستويين، منها ما يختبر ويجد براءة الشخص المقابل لكن يبقى باستمرار لا يعيطه الثقة بل يختبر بشكل مستمر مقدار الثقة الواجب منحها، والمستوى الأسوأ في العنصرية هي في ثبات الفكرة لدى العنصري مهما حصل من إثبات من فساد وخطأ أفكاره المسبقة المبنية على هذا الفرد أو هذه الجماعة، عليه فإن العنصرية نوع من الأمراض الخبيثة على مستوى الأفكار، تؤهل الفرد باستمرار بأن يكون قادراً على إصدار أحكام مسبقة على قاعدة خاطئة نفسياً ومنطقياً.

يمكننا أن نبني انتماءات صحيحة، إذا ما أدركنا إنسانية كل إنسان على حدة، وعرفنا اختلافات الناس، وأن في الأسوأ قد تجد الجيد، وما بين الأفضل تجد السيئ
يمكننا أن نبني انتماءات صحيحة، إذا ما أدركنا إنسانية كل إنسان على حدة، وعرفنا اختلافات الناس، وأن في الأسوأ قد تجد الجيد، وما بين الأفضل تجد السيئ
 
هل نحن غير عنصريين؟

يظن الفرد مننا في الحياة اليومية بأنه تخلى عن الصفة ال ما قبل الإنسانية، في الأخذ في العنصرية كمرجع للتحكيم على الأشخاص، لكن هل بالفعل عندما نرى إنسان مخطئ ومن جماعتنا التي ننتمي إليها و إنسان أخر مخطئ من جماعة أخرى (ليس بالضرورة من جماعة نكرهها)، هل نقيس الخطأ في المقياس ذاته؟ هل في مدينة غريبة وجدت شخصين يحتاجان لمساعدة أحدهم يشابهك فقط في اللون ربما والأخر مختلف في لون البشرة؟ هل تساءلت ايهما ستساعد؟ هل في وسائل المواصلات العامة عندما ترى سيدتين، إحداهن ثيابها تشابه ثياب مجتمعك؟ هل فكرت يوماً لمن ستعطي مكانك ليجلس فيه منهن؟

حتى في اختيار الكتاب الذي تقرأه، قد توجه تفكيرك لما هو يدعم انتماؤك العنصري، التصرفات العنصرية تكمن في أبسط المفردات، وفي أكثر الأفعال اللاواعية (في حالة الفرد الذي يحاول أن يظهر موضوعيته أكثر)، في نكاتنا اليومية، في قصصنا وإسقاطاتها، في الأعمال وإرسال التعميمات الخاطئة التي لا تحترم إنسانية كل إنسان واختلافه، في كل لحظة نستطيع أن نقسم الناس بين كلمتي "هم" و"نحن".

إذاً كيف نبني انتماءات صحيحة؟

يمكننا ذلك، إذا ما أدركنا إنسانية كل إنسان على حدة، وعرفنا اختلافات الناس، وأن في الأسوأ قد تجد الجيد، وما بين الأفضل تجد السيئ، بأن ندرك معنى ضرر "نحن" و"هم" على أفكارنا، أن نعيد بناء انتماءاتنا بشكل متعقل، بأن لا نصبح فريسة لدوغمائية معينة، أن نعيد تفكيرنا في كل انتماء سابق أخذناه عن مظاهر، بأن نحقق انتماءنا الأول لأنفسنا ونكون صادقين معها، وبأن نقدر أن نتعامل مع الناس بالإنسانية والمحبة مع كل من يستطيعون أن يبادلونا ذلك، وأن نسعى لأن نعيش بأقل قدر ممكن من الأحكام المسبقة الخاطئة، وأن نصدق قولنا مع فعلنا في ذلك.