هل يوجد مدينة فاضلة في الإسلام أم هي خرافة جديدة؟

مدونات - المدينة الفاضلة

المدينة الفاضلة (Utopia) هي من أشهر المواضيع الفلسفية التي أثارها أفلاطون في فلسفته، وهي مدينة خيالية يحلم بأن يسكنها أُناس طيبون يعيشون فيها في سلام ووئام لا يعرفون فيها الغل ولا الحسد، وقد ذكرها في كتابة المسمى جمهورية أفلاطون. وتعد رمزًا للكمال الإنساني والاجتماعي، وتمنى أن يحكمها الفلاسفة لما يتمتعون به من حكمه ومعرفة، وعكسها المدينة البائسة (Dystopia). وفي الأصل كلمة يوتوبيا إغريقية تتكون من مقطعين: الأول (οὐ) ويعني (لا) والثاني (τόπος) ويعني (مكان)، أي لا مكان لها على أرض الواقع.

ومن مواصفات هذه المدينة أنها توفر الأمن والأمان لساكنيها الذين يعدون أخوة يحب كل منهم الآخر ويحافظ عليه، ويعشون جميعًا في انسجام تام يقوم على مبدأ التكافل الاجتماعي، وجميعهم متساوون في الحقوق والواجبات مع مراعاة الفروق الفردية بينهم وإتاحة الفرص للإبداع والتقدم والرقي لكلا الجنسين، حيث يحق لأي منهما الحق في القيادة والريادة وفقاً لمعيار الأفضل والأجدر. والمدينة الفاضلة هي حلم الإنسانية الذي لم يتحقق ولن يتحقق لأنه لا يتفق مع الفطرة التي فطر الله بها هذا العالم الدنيوي.

إذا كانت المدينة الفاضلة هي الموطن الخيالي الذي تسوده السعادة، فطاعة الله الخالق عز وجل الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا شريك له، هي السعادة الحقيقية التي تقود إلى السعادة الأبدية.

قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ هود:118، 119، فحكمة الله تقتضي أن يكون هنالك خير وشر، حق وباطل، ولذلك خلق الله الجنة والنار. أهل الخير وأصحاب الحق مأواهم الجنة، وأهل الشر وأصحاب الباطل مصيرهم إلى النار، قال الله تعالى ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ الزمر:73، وقال الله تعالى ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ الزمر:71.

وإذا كان هنالك مدينة فاضلة على مر العصور فهي تلك التي أسسها الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة ومن مظاهرها المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فقد انصهرت وذابت كل الفوارق والنزعات الجاهلية، فلا فرق في اللون أو النسب أو الجنس أو الحسب أو الوطن. حتى إن الأنصار كانوا يشاركون المهاجرين بيوتهم ومزارعهم بل كان بعضهم يقول لي زوجتان اختر أحدهما فأطلقها وتتزوج بها، بل وصل الحال بهم إلى أعظم من ذلك وهي أن يتوارث المتآخيان ،ونسخ هذا التوارث بقول الله تعالى: ﴿و َالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ الأنفال:75 وقد كان يسود حياتهم التسامح والتصالح والتآلف والتراحم وكثير من القيم مثل حسن الخلق وحسن الجوار وحسن التعامل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق والصبر.

ومع ذلك كان يوجد في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض المنافقين الذين لا يريدون لهذه القيم الأخلاقية أن تنتشر وتسود؛ قال الله تعالى ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ المنافقون:1-5.

ومن الناحية الأخرى، إذا كانت المدينة الفاضلة هي الموطن الخيالي الذي تسوده السعادة، فطاعة الله الخالق عز وجل الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا شريك له، هي السعادة الحقيقية التي تقود إلى السعادة الأبدية في جنات الخلود ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ القمر:55.