فتوى على مقاس السلطة.. كيف تقتل وتفسد بغطاء ديني؟

blogs علماء الأزهر

لفت انتباهي خبرٌ نُشر في المواقع الإخبارية عن بيانٍ لهيئة كبار العلماء في السعودية مفاده مباركتها قرار الملك بمحاسبة من تثبت إدانته بمقتل الخاشجقي، وتابعت الهيئة في بيانها أنهم في المملكة العربية السعودية خلف قيادتهم فيما اتخذته من قرارات.. إلخ البيان! حينها تذكرت قراءتي واطلاعي للعديد من القضايا التي تطرق إليها الإمام الغزالي عن تشخيص الأمراض في المجتمع الإسلامي، وساخراً من النكتة الجديدة التي أطلقها الإعلام السعودي بشأن الفيلم الدرامي الجديد بشأن القضية وتصويرها كل يومٍ بلونٍ وحلةٍ جديدة، دون إدراك تام بما قيل أو نشر عنهم في سابق الأيام.

الغزالي أشار في طروحاته إلى تشخيص المشاكل الأساسية التي تواجه العالم من جهة، والمجتمعات الإسلامية من جهة أخرى، وركز الغزالي في مواقع متعددة على نقد العلماء أو من يسمّونَ بالمنتسبين إلى الدين، علماء السلطان أو العلماء الجاهلين أو من يخافون القوي المتنفذ، محملاً إياهم مسؤولية فساد الملوك والحكّام بالإضافة إلى فساد العوام من الناس في المجتمعات، ويرى أن الداء العضال فقد الطبيب، والمقصود هنا بالطبيب هو العالم الذي فقد خواصه ووظيفته السامية في معالجة المشكلات الأساسية التي تؤدي إلى هلاك ودمار المجتمعات.

 

والحق الحق أقول أن معظم العلماء هم أنفسهم مرضوا مرضاً شديداً، إذا تحدثنا عما وقع فيه أهل العلم ورجال الدين من طلب الجاه والنفوذ، ونيل الحظوة لدى المسؤول والحاكم وأهل السلطان والنفوذ والسياسة، والجدل الفارغ والخطاب الحاد والاكتفاء بمسائل الفروع والأحكام والانصراف والتصرف بما هو سطحي وأخذ ما يليق بديمومة العلاقة من المسؤول دون نقد أو توجيه للمخطئ منهم، فكل ما عليهم هو زخرفة الكلام في ظل غفلة الرعية.

علماء السلاطين أنفسهم من عززوا نفوذ الاحتلال في العراق، وهم أنفسهم أفتوا بحرمة مقاومة المحتل، وذاتهم علماء السلاطين من وقفوا إلى جانب السرّاق والقتلة والمجرمين

العلماء هم أدلّة الطريق كما يرى الغزالي وأهل العلم، كما أنهم ورثة الأنبياء، إلا أن معظمهم ليسوا سوى متمرسين أستهواهم الطغيان وأصبح كل منهم يفتي بما يستهويه، وصار لديهم المعروف منكراً والمنكرُ معروفاً حتى باتوا محط سخرية من قبل العوام، كما يعتقد الغزالي أن التبعةَ الكبرى في ظل الفساد الشامل والضعف في الدين والانحطاط في الأخلاق تقع على العلماء ورجال الدين، فهم السبب الأول في فساد الأوضاع، لأنهم ملح الأمة الذي إذا فسد لا يوجد ما يصلحه، وهذا ما أستشهد فيه متمثلاً بهِ العلماء ببيت من الشعر يقول:

يا معشرَ القرّاءِ يا ملح البلد
ما يصلح الملح إذا الملح فسد!


ويذكر الكاتب ”محمد علي محمد“ في كتابه عن الإمام أبو الحامد الغزالي، واصفاً مرضَ قلوب الناس وإشتداد الغفلة عن المعاد، ويذكر أسباب ذلك والتي منها مرض العلماء واعتلالهم مبيناً ان الطبيب إذا أصابه المرض قلما يلتفت إلى علاجه، فلهذا أصبح الداءُ عُضالاً والمرضُ مزمنا، مقبلين على حب الدنيا منغمسين بظواهر الأعمال وباطنها المُريء. ويرد الكاتب في كتابه ”الإمام الغزالي“ أنه كان يرد ضعف الملوك وفسادهم إلى ضعف العلماء وإهمالهم لواجبهم مستنداً بقوله ”إنما فسدت الرعية بفساد الملوك، وفساد الملوك لفساد العلماء، فلولا قضاة وعلماء السوء لقلَّ فساد الملوك“، ويلوم الغزالي العلماء على عجزهم وخوفهم من قول كلمة الحق عند سلطانٍ جائِر، معللاً ذلك بوقوع العلماء في شباك الأمراء والمسؤولين وحبهم للمال وطلبهم للجاه، ويلخص الغزالي فساد رسالة العلماء وانتشار الشكلية الدينية في المجمعات الإسلامية بآثار متعددة أهمها:

– البعد عن قضايا المجتمع والإنشغال بقضايا هامشية لا طائل تحتها.
– التعصب المذهبي وإختفاء الفضائل العلمية.
– تفتيت وحدة الأمة وظهور الجماعات والمذاهب.
– انتشار التدين السطحي.. وهذا ما أشار إليها إمام وخطيب الحرم المكي ”عبد الرحمن السديس“ في خطبة الجمعة من على منبر المسجد الحرام مبيناً أن ما يجب أن يكون هو التجديد في الدين، في إشارة منه إلى السياسة التي تنتهجها السعودية وحليفتها الإمارات من محاربة للعلماء والفقهاء الذين يعارضون سياسة المملكة لما يتعلق بالقضايا الدينية والشرعية. وهذا مدلولٌ يعزز تملق العالم للسلطان والحاكم وإنهاء دور العلماء في تحديد المسار الصحيح والسليم لسياسة الدولة في قيادة مؤسساتها، وغياب الوعي الديني والثقافي الإجتماعي لدى أفراد المجتمع، الذي بات يرى العالم مجرد أداة تساق وتدار من قبل الحاكم أو المسؤول.

ليس ببعيد.. فهناك في العراق ما هو أكثر دهشة لما تقوم بهِ روابط وهيئات وأحزاب السلطة التي تحمل صفة الدين دون العمل بهِ.. ومعممون رموا حياء وجوههم وتركوا ما عليهم من واجبات والتزامات دينية وشرعية، وارتموا بأحضان الحاكم والمسؤولين متقربين منهم لنيل المال والنفوذ والسلطة التي تمكنهم من ضرب خصومهم أو منتقديهم أو من يحاول كشف حقيقتهم. نعم.. إنهم علماء السلاطين أنفسهم من عززوا نفوذ الاحتلال في العراق، وهم أنفسهم أفتوا بحرمة مقاومة المحتل، وذاتهم علماء السلاطين من وقفوا إلى جانب السرّاق والقتلة والمجرمين، إنهم حقاً علماء السلاطين الذين أرادوا خضوع المحكومين وقبولهم بالمهانة والذل، وهم أنفسهم علماء السلاطين من حللوا الحرام وحرموا الحلال، وهم أنفسهم علماء السلاطين عملوا على بقاء الوجوه الشاحبة لتستمد قوتها من دماء الأبرياء. علماء السلاطين.. أسسوا قواعد الفساد.. لا تستغربوا ذلك، فمصائب الأمم من تحت عباءتهم.