عندما نزح الأوروبيون إلى شواطئ شمال أفريقيا

blogs سفن

"الحمد لله تعالى. إلى سيدي، حفظك الله. بعد أن وبخنا سيدنا وأصبح غاضباً مني، واتهمني بأنني كنت أتصرف في كثير من الأحيان دون إذنه، وإحضار والدتي من اليونان دون الحصول على موافقته […] اتخذت ملجأً بين أكثر الناس تواضعاً […] أنا عبدك، فأمرني. واصفح عني. أنت تشكو من أنني أحضرت أمي دون إعلام فخامتك. لكني لا أم ولا أب لي، أنت أمي وأبي. ليس لدي سواك يا سيدي".

  

هذا النص محفوظ  الآن في الأرشيف الوطني التونسي، وهو عبارة عن مقتطف من رسالة كتبها عبد يوناني اعتنق الإسلام حيث غيّر اسمه لـِ "محمد خزندار" (الخزندار عبارة عن مصطلح متأت من اللغة التركية بمعنى وكيل الخزانة أو وكيل المال) وهو مملوك من أصل يوناني، ولد حوالي عام 1810 بجزيرة كوس اليونانية، وأصبح لاحقاً سياسياً تونسياً تقلد الوزارة الكبرى مرتين.

 

كانت اعتذار محمد خزندار موجهاً إلى سيده الوزير (وهو منصب يعادل منصب رئيس الوزراء في وقتنا الحالي) في ولاية تونس العثمانية:  شاكير صاحب الطابع الذي كان بدوره عبداً فيما مضى؛ ولد في شركيسيا في منطقة شمال القوقاز التي تشكل اليوم جزءاً من الفيدرالية الروسية حيث تقع شمال جورجيا وتمتد على مساحات جمهورية ’قراتشاي-تشيركيسيا‘ وجمهورية ’قبردينو-بلقاريا‘ وجمهورية ’أديغيا‘.

 

تعتبر هذه الرسالة إحدى القصص والتقارير العديدة التي خطّها العبيد على مدار القرن التاسع عشر. تعود بنا هذه الرسالة المكتوبة باللغة العربية إلى زمن كان يتنقل فيه الرجال والنساء بشكل مختلف تماماً في نطاق منطقة البحر المتوسط.

 

المغرب العربي: إل دورادو(1) في عيون الأوروبيين

حتى النصف الأول من القرن العشرين، كان من النادر أن يعبر الرجال والنساء والأطفال جنوب البحر الأبيض المتوسط من شمال إفريقيا في محاولة للوصول إلى شواطئ أوروبا وخارجها. فعلى العكس من ذلك، توافد الإيطاليون والفرنسيون والإسبان واليونانيون إلى شمال أفريقيا هرباً من الفقر والاكتظاظ السكاني في بلدانهم. سعوا لبناء ثرواتهم في أرض جديدة غير بلادهم، فاختاروا المغرب العربي والمستعمرات عبر المحيط الأطلسي.

  

لا يمكن وصف الهجرة من الجنوب إلى الشمال (من المغرب العربي وشمال أفريقيا إلى أوروبا) بأنها "غزو" أو كجزء من نظرية "الاستبدال العظيم" المزعومة كما يعتقد البعض. بل إنها نتيجة اعتماد اقتصادي مركّب وهجرة عمالية جديدة

شكّلت بلدان شمال أفريقيا (وليس الدول الأوروبية) وجهة ومرسى للعبيد الأفارقة الذين اضطروا لعبور الصحراء، إضافةً إلى العبيد القوقاز والجورجيين واليونانيين حتى منتصف القرن التاسع عشر بعد ثوراتهم ضد السلاطين العثمانيين في عشرينيات القرن التاسع عشر.

 

في الوقت الذي كتب فيه محمد خزندار هذه الرسالة المختصرة، لم يكن المغرب العربي بعد تحت الحكم الاستعماري الأوروبي. كان الفرنسيون قد استولوا على الجزائر قبل سنتين، كما احتلوا عددا من المدن على الساحل الجزائري في سلسلة من الهجمات العنيفة بين عامي 1830 و 1832.

 

أما بقية شمال إفريقيا فكانت إما تحكمها السلالة العلوية (وسلالة العلويين الفيلاليين الحاكمة هي سلالة من واحة تافيلالت بالقرب من سجلماسة تحكم المغرب منذ 1666 ويحكم المغرب منهم اليوم الملك محمد السادس بن الحسن) كما كان الحال في المغرب، أو كانت تحت سلطة حاكم عينته الإمبراطورية العثمانية كما في تونس وطرابلس.

  

تبوّأ الرجال الذين جاؤوا من بعيد -مثل محمد خزندار وسيده شاكير- مراتب اجتماعية رفيعة المستوى: كان شاكير الوزير وكبير المستشارين للحكام العثمانيين في تونس. هرع الإيطاليون والمالطيون والبريطانيون والفرنسيون والأوروبيون الآخرون إلى تونس والجزائر العاصمة وطرابلس لكسب المال عبر وسائل قانونية وغير قانونية في التجارة وصيد المرجان وأحياناً في تهريب التبغ والأسلحة والقهوة وغيرها.

   

فضح نظرية "الاستبدال العظيم"(2)

ما الذي حدث منذ أيام محمد خزندار؟ ما الذي أحدث طفرة في الهجرة الأفريقية إلى أوروبا [خاصة منذ الخمسينات]؟ كيف تغيرت المنطقة المغاربية من مكان جذب وسيطرة على الهجرة وعلى تنقل النساء والرجال من أفريقيا وآسيا وأوروبا إلى محطة توقف في الطريق إلى البحر المتوسط وأوروبا؟

 

إذا ما أنعشنا ذاكرتنا القصيرة وألقينا نظرة على القرن التاسع عشر، يمكننا تذكّر كل التحولات الكبرى التي مر بها هذا الجزء من العالم: استيلاء القوى الأوروبية ببطء على الأسواق والاقتصادات الأفريقية، إلغاء العبودية رسمياً في اواخر القرن التاسع عشر فصاعداً في تونس والجزائر، الاختفاء التدريجي لتجارة الرقيق في البحر المتوسط أولاً ثم من غرب أفريقيا حتى المغرب العربي، وظهور الاستعمار بداية في الجزائر في عام 1830، ثم في تونس في وقت مبكر من عام 1881، والمغرب وليبيا في أوائل عام 1910 قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى.

    

إضافة لهذه الأحداث كانت هنالك هجرة المستعمرين الأوروبيين الذين وصل عددهم في الجزائر إلى مليون مقابل 9 ملايين مسلم عندما استقلت البلاد في عام 1962، عندها غادر "الأقدام السوداء" (وهي تسمية تطلق على المستوطنين الأوروبيين الذين سكنوا أو ولدوا في الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر ما بين 1830-1962 ويطلق عليهم Pieds-Noirs في الفرنسية) في جماعات كبيرة إلى قارة أوروبا. والسبب الأخير كان في  الهجرة الاقتصادية لعمال شمال أفريقيا والعاملين من دول أفريقية أخرى بعد الحرب العالمية الثانية للمساعدة في إعادة بناء وتعزيز اقتصاديات القوى الاستعمارية السابقة.

  

وبالحديث عن جميع هذه الأحداث التاريخية، لا يمكن وصف الهجرة من الجنوب إلى الشمال (من المغرب العربي وشمال أفريقيا إلى أوروبا) بأنها "غزو" أو كجزء من نظرية "الاستبدال العظيم" المزعومة  كما يعتقد البعض. بل إنها نتيجة اعتماد اقتصادي مركّب وهجرة عمالية جديدة واستغلال وهيمنة استعمارية وما بعد الاستعمارية.

 

أصبح محمد العبد من خزندار "أمين الخزانة أو وكيل المال" بسيط إلى رئيس وزراء في ثمانينيات القرن التاسع عشر عندما استولت فرنسا على تونس. حياته، مثلها مثل حياة الملايين من المهاجرين الآخرين، تشكلت أيضاً من خلال التحولات العديدة التي عصفت في منطقة البحر المتوسط.

————————————————————————-

الهوامش:

1- إل دورادو هو مصطلح إسباني "Eldorado" ويعني الذهبي أو المُذَهّب. تم استخدام المصطلح للتعبير عن مدينة أسطورية خرافية يوجد بها الذهب والأحجار الكريمة بوفرة تفوق الوصف. أصبح يستخدم المصطلح اليوم رمزاً لكل مكان يمكن فيه اكتساب الثروة السريعة.

2- نظرية "الاستبدال العظيم" The Great Replacement هي نظرية وضعها الكاتب جان كامو ويحذر فيها من الخطر المزعوم "للاستبدال العظيم" أو "الإحلال الغفير" الذي قصد به استعمار فرنسا من قِبَل المهاجرين المسلمين من الشرق الأوسط وتحديداً شمال أفريقيا، حيث يزعم جان كامو أنهم يهددون بتغيير البلاد وثقافتها بشكل دائم.

————————————————————————-

مترجم عن (ذا كونفرزيشن)