المصالحة الفلسطينية.. لماذا نعشق التعلق بالوهم؟

blogs المصالحة الفلسطينية

جولات جديدة من المصالحة الفلسطينية يطلقها نظام السيسي المتمثل في المخابرات العامة المصرية المحتكرة للملف. ويصر بعض المحللين والمتابعين على أن هذه الجولات تختلف عن سابقيها، ويستشهد المحللون بالتغيرات السياسية التي تشهدها المنطقة ليؤكدوا على أن هذه الجولات لابد من أن تأخذها حركتي فتح وحماس بجدية لإنهاء الانقسام الفلسطيني.

دور المخابرات العامة المصرية

تلعب مصر بفضل موقعها الجيوبوليتكي دورًا مهما في ملف غزة بشكل عام، وتحتكر المخابرات العامة المصرية ملف المصالحة الفلسطينية، وتسعى مصر من خلال ذلك إلى تحقيق بعض المكاسب للنظام المتمثلة في التأكيد على الدور الإقليمي المصري، والذي تراجع كثيرا لصالح دول عربية (قطر والسعودية والإمارات) ودول إقليمية (إيران وتركيا) بالإضافة إلى إيصال رسالة للإدارة الأمريكية مفادها أن مصر لازالت لها دورا استراتيجيا هامًا في المنطقة من خلال ملف غزة، وتهدف مصر من خلال هذه الرسالة إلى الحفاظ على المساعدات الأمريكية.

بالإضافة إلى تحقيق بعض المكاسب الاقتصادية في حالة إتمام المصالحة، والتي ستؤدي إلى ربط ميناء غزة بميناء بورسعيد بالإضافة إلى معبر رفح الذي سيستخدم لتوريد البضائع إلى غزة، والتي غالبا ستكون منتجات للجيش المصري خاصة مواد البناء والإسمنت التي تستخدم في إعمار القطاع مما سيسمح لمصر باحتكار حركة الصادرات إلى قطاع غزة مما يمكنها من فرض ضرائب على البضائع. أما النقطة الأخطر فهي توريد الطاقة عن طريق تصدير الغاز إلى غزة لتشغيل مولدات الطاقة الكهربائية.

يذكر أن هذا الغاز قامت مصر بشرائه من إسرائيل عن طريق شركة دولفينوس. يجب الإشارة هنا إلى أن إسرائيل لا تمانع من أن تلعب مصر دور الوسيط في المصالحة لأن إسرائيل تعتبر مصر حليفًا استراتيجيًا من الصعب أن يضر بالأمن القومي الإسرائيلي، وسيحافظ على المصالح الإسرائيلية. تلعب المخابرات المصرية الدور الأكبر في المصالحة، ونحن نرى أنه لم يتبق للمخابرات المصرية أي ملفات أخرى سوى هذا الملف خصوصًا بعد فشل الجهاز في كثير من الملفات الإقليمية، منها سد النهضة ولم تحقق أي دور يذكر في الصراعات الدائرة في المنطقة.

حركة فتح والدور المشبوه
الجانب الإسرائيلي والأمريكي لا يتدخل كثيرا في جولات المصالحة، وتكتفي الدولتان بالإعلان أنهم لن يتنازلوا عن ضرورة نزع سلاح المقاومة، بالإضافة إلى الاعتراف بإسرائيل

تلعب حركة فتح دور الوكيل الإسرائيلي في ملف المصالحة، وتحاول جاهدة الحفاظ على مكاسب اتفاقية أوسلو المخزية للقضية الفلسطينية. لم تختلف العقبات التي فرضتها الحركة على بنود المصالحة في كل جولة، فدائمًا تصر الحركة على تسليم السلطة في غزة دفعة واحدة، وترفض التعامل مع الموظفين الأمنين لحركة حماس وتطالب بتسريحهم، وتتحفظ على إسناد مسؤولية جباية الأموال في غزة لحركة حماس، وصرف رواتب من هذه الجباية للموظفين الأمنين لحماس. وعندما تصل الأمور لحائط سد، وتتنازل حماس عن كثير من الشروط تتحفظ فتح وبشدة على وضعية السلاح لدى الفصائل الفلسطينية الموجودة في غزة وتطالب بضرورة توحيد سلاح المقاومة، وهو ما يترجم عمليًا بنزع سلاح المقاومة وتسليمه إلى السلطة الفلسطينية بموجب اتفاقية أوسلو، أي عمليًا الاعتراف بإسرائيل.

من هنا يبدأ الطرفان والوسيط بشكل غير مباشر الإعلان عن فشل المفاوضات، يجب الأخذ في الحسبان هنا أن الجانب الإسرائيلي والأمريكي لا يتدخل كثيرا في جولات المصالحة، وتكتفي الدولتان بالإعلان أنهم لن يتنازلوا عن ضرورة نزع سلاح المقاومة، بالإضافة إلى الاعتراف بإسرائيل والإقرار بالسلطة الفلسطينية الناشئة بموجب اتفاقية أوسلو، لذلك نقول أن حركه فتح تلعب هذا الدور المشبوه بامتياز، ويتوج هذا الدور بأساليب الضغط على قطاع غزة المتمثلة في قطع رواتب الموظفين في غزة بالتدريج ومنع تصدير الطاقة إلى غزة مما أدى إلى ثقل كبير على القطاع الذي يعاني أساسًا من مشاكل اقتصادية شديدة.

مضمون المصالحة

لم تختلف بنود المصالحة ومضمونها كثيرا في كل جولة تطلقها المخابرات العامة المصرية، فتتمثل البنود في ضرورة إنهاء العقوبات المفروضة على قطاع غزة ودفع رواتب الموظفين المنقطعة، وإعادة تصدير الوقود لمحطات توليد الكهرباء في غزة، وضرورة إنهاء عمل اللجنة الإدارية التي تدير القطاع، وتسليم القطاع إلى السلطة الفلسطينية، وعودة جميع الوزراء لممارسة مهامهم في قطاع غزة. وتصر حركة فتح على هذه الإجراءات دفعة واحدة، فيما تؤيد حركة حماس والمخابرات المصرية فكره التدرج.

ضرورة البدء في مشاورات تشكيل حكومة وحدة وطنية. تقوم حماس بتسليم الجباية للحكومة مع اقتطاع جزء من هذه الجباية لصرف رواتب الموظفين الأمنيين الذين عينتهم حماس، وترفض السلطة الفلسطينية التعامل معهم وترفض حركة فتح إسناد مهمة الجباية إلى حماس، وتقول أنها من حق الحكومة وحدها. البدء في توحيد سياسات الرواتب على كافة الموظفين بالضفة الغربية وقطاع غزة. اختلفت الورقة الأخيرة التي أطلقتها المخابرات المصرية عن سابقيها في أنها محددة بالتواريخ، ويجب الإشارة هنا إلى أن المصالحة الأخيرة كانت ملحقة بتهديد في حالة فشلها أن هناك خطة أممية بديلة جاهزة للتنفيذ.

هذه الخطة تأتي على أولوياتها مشروع غزة الكبرى الذي يهدف إلى إعمار القطاع في إطار صفقة القرن المشبوهة. وكان مشروع غزة الكبرى المرصود له ميزانية دولية أعلن عنها المبعوث الأممي ميلادينوف سيطبق وسيتم تجاوز السلطة الفلسطينية فيه على الرغم من أن الرؤية الدولية لهذا المشروع تقوم على أساس تقديم تنازل من حماس لصالح السلطة الفلسطينية تمهيدا للانتقال لاحقًا لمحاولة تنفيذ مخطط لانتزاع سلاح المقاومة.

هذا هو مصير المصالحة الفلسطينية.. الفشل. لأنها تثير نقطة حساسة لدى المقاومة، وهو سلاحها الذي بدونه لن تتحرر دولة فلسطين أبدا وستنسف القضية الفلسطينية للأبد. فالمصالحة وهم لن يتحققهذا هو مصير المصالحة الفلسطينية.. الفشل. لأنها تثير نقطة حساسة لدى المقاومة، وهو سلاحها الذي بدونه لن تتحرر دولة فلسطين أبدا وستنسف القضية الفلسطينية للأبد. فالمصالحة وهم لن يتحقق
 
سياسات حماس في التعامل مع ملف المصالحة

تجد حماس نفسها مضطرة إلى التعاون مع الوسيط المصري المتمثل في المخابرات المصرية، لأن مصر بيدها أوراق الضغط الرئيسية على القطاع مثل التحكم في معبر رفح. يتعرض حلفاء حماس الآن مثل إيران وتركيا وقطر للعديد من الضغوطات الدولية، لذلك تتعامل حماس مع الملف بحساسية شديدة. وقد اضطرت حماس إلى تقديم تنازلات كثيرة لكن على شكل مناورات سياسية هدفها الخروج من الموقف الذي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وضع حماس فيه بمباركة عربية مصرية وبأيدي فتحاوية.

هذا الموقف المتمثل في تصوير حماس على أنها العقبة في طريق إنهاء الانقسام الفلسطيني وأنها السبب في العقوبات المجحفة على قطاع غزة وأنها جماعة متحجرة لا تتواكب مع التغيرات السياسية الطارئة على الساحة الدولية، محاولة تصوير حماس على أنها السبب في فشل القضية الفلسطينية ثم يتم التطرق إلى سلاح المقاومة وضرورة نزعه والركون إلى الوسائل السلمية لحل النزاع. بمناورة سياسية ذكية أصدرت حركة حماس وثيقة جديدة استطاعت من خلالها إفشال جميع محاولات تمرير صفقة القرن على حساب الحركة. في كل جولة مصالحة جديدة تحاول حركة فتح والمخابرات المصرية الضغط على حماس وتشديد بنود المصالحة ومحاولة تصوير الحركة أنها الرافض والمعطل للمصالحة.

ولكن استطاعت حماس إدارة الملف بمهارة، ودائما كانت تخرج من جولات المصالحة على أنها هي المتقبل للشروط والمتنازل من أجل إنهاء الانقسام، وتخرج فتح على أنها هي الرافضة للمصالحة متعللة بسلاح المقاومة، فيكون هذا المبرر لرفض المصالحة مخزيًا في عيون الرأي العام الإسلامي، وتخرج حماس منتصرة. كان المطلوب من حركة فتح رفض المصالحة الأخيرة بطريقة مؤدبة توحي للشارع الفلسطيني أنها رفضتها من أجل المبادئ، وفي هذه الحالة يتم تنفيذ المشروع الأممي لإعمار غزة بقيادة المبعوث الدولي ميلادينوف.

هذه هي الخطة التي وصفها البعض أنها لا تقبل الفيتو من الجانبين، وهي جزء من مشروع صفقة القرن، ولكن استطاعت حماس تفويت الفرصة على الجميع وقدمت التنازلات حتى وصلت إلى الشق المتعلق بنزع السلاح، فتضطر فتح إلى رفض المصالحة بصورة مهينة، وليس بصورة مؤدبة كما كان يخطط الغرب. هذا هو مصير المصالحة الفلسطينية.. الفشل. لأنها تثير نقطة حساسة لدى المقاومة، وهو سلاحها الذي بدونه لن تتحرر دولة فلسطين أبدا وستنسف القضية الفلسطينية للأبد. فالمصالحة وهم لن يتحقق.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة