شجار المنشار.. أغبى عملية اغتيال في العالم!

يبدو أن عملية الاغتيال التي راح ضحيتها الصحفي السعودي الحر جمال خاشقجي بالقنصلية العامة للمملكة العربية السعودية بإسطنبول، باتت معالمها ظاهرة للعيان، وبإمكان أي محقق متوسط الخبرة أو صحفي استقصائي مبتدئ أن يكشف ملابساتها، وتحديد العناصر الفاعلة فيها. إلا أن الغريب في الأمر أن السلطات السعودية حاولت استغباء العالم بتصريحات متضاربة بشكل صارخ، تارة أن خاشقجي خرج من السفارة وهو ما نفته كاميرات المراقبة التي رصدت دخوله، وتارة قتل عن طريق الخطأ أثناء التحقيق معه، وتارة أخرى قتل على أيدي قتلة مارقين حسب تصريح ترامب بعد أن ألقى به للصحافة واحتضنته السعودية للنأي بنفسها عما حدث بالقنصلية، مدعية أنها لا علما لها بما حصل، وإن سلمنا بهذا الهراء فهذا يعني أن الزعامة الجديدة للمملكة المتمثلة في ولي العهد محمد بن سلمان غير قادرة على بسط سيطرتها على مؤسسات الدولة وهو ما يظهره بالشخصية غير القادرة على التربع على عرش المملكة وكمراهق سياسي لا يمكنه تسيير مؤسسة بحجم المملكة إقليميا ودوليا.

وبالرغم من أن السلطات التركية صرحت منذ اليوم التالي على مقتل خاشقجي، أنها تمتلك تسجيلات صوتية حول ما حدث له داخل القنصلية وبالتفصيل الممل وبتورط عدة شخصيات نافذة في الأمن السعودي، ومقربة من ولي العهد محمد بن سلمان، إلا أن السلطات السعودية وبعد ثمانية عشر يوما استمرت في هرائها المكشوف للعالم وادعت أن خاشقجي توفي نتيجة شجار بالأيدي مع مسؤولين سعوديين أفضى إلى وفاته، محاولة نسف الواقع في رواية أبعد ما تكون من المنطق وهو ما دفع بالمجتمع الدولي إلى تصديق الرواية التركية كونها أكثر واقعية، وان كانت جريمة قتل خاشقجي حادثا عرضيا لماذا كان على خاشقجي أن يتشاجر وهو في معنويات جد مرتفعة كونه كان مقبلا على الزواج، ولماذا لم تبلغ القنصلية الأمن التركي؟ والسؤال الجوهي الذي يمكن أن يحل عقدة هذا اللغز، أين هي جثة خاشقجي؟ أم أن الأمر دُبر بليل.

خاشقجي قتل كما قتل قبله آلاف الأحرار وسيموتون بعده الآلاف أو ربما الملايين من محبي الحقيقة والحرية لكن سيشهد التاريخ أنهم قتلوا على أيدي ولاة أمورهم الذين من المفترض أن يكونوا حماة لهم لا جلاديهم

وفي تبادل واضح للأدوار كان الرئيس الأمريكي الأول والوحيد الذي صدق الرواية السعودية في موقف تجاري بحت، وذلك للحفاظ على صفقة السلاح المبرمة بين السعودية والولايات المتحدة الأمريكية التي تقدر بمئات المليارات وهو ما صرح به ترامب نفسه في عدة مناسبات. ونظرا للضغط الذي يمارسه الكونغرس والإعلام على الرئيس الأمريكي، عاد ترامب للعدول عن موقفه وصرح بأن الرواية السعودية لا تقنعه، كونه يثق في النتائج التي توصلت إليها السي أي أي وعلى السعودية تقديم أدلة من شأنها إقناع الرأي العام العالمي، بعد أن نجحت تركيا في تدويل القضية وتعاملها معها باحترافية جعلها محل ثقة من الجميع، وهو ما يعكسه موقف فرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا بعد أن قاموا بتجميد أغلب الزيارات السياسية مع السعودية إلى غاية ظهور نتائج التحقيق النهائية.

وفي محاولة يائسة لذر الرماد على العيون راح ولي العهد السعودي يُعد لإعادة ترتيب بيت المخابرات السعودية بأمر من والده كما يزعم الإعلام السعودي، وذلك بالتضحية بعدة شخصيات محسوبة على جهاز المخابرات كقرابين فداء، وكما يقال التضحية بالابن لتعيش الأم، لصرف النظر عن فرضية امكانية ضلوع ولي العهد في ما حصل لخاشقجي وهو ما كشفته الاتصالات التي كان يجريها الموفدون لتصفية خاشقجي بالسكرتير الخاص لولي العهد وبعدة شخصيات نافذة في الأمن السعودي، وإلا كيف نفسر وصول بعثتين متكونتين من خمسة عشر فردا متعددي الاختصاص إلى تركيا أبرزهم طبيب التشريح وصاحب المنشار صلاح الطبيقي الذي تكفل بتقطيع الجثة بالمنشار بدم بارد.

خاشقجي قتل كما قتل قبله آلاف الأحرار وسيموتون بعده الآلاف أو ربما الملايين من محبي الحقيقة والحرية لكن سيشهد التاريخ أنهم قتلوا على أيدي ولاة أمورهم الذين من المفترض أن يكونوا حماة لهم لا جلاديهم لمجرد انتقادهم لهم أو دعائهم لله بإصلاح ذات البين، وفي مملكة آل سعود حتى السكوت أصبح لا يشفع لصاحبه من بطش السلطان، الله غالب.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة