الجوكر والكذبة التي تحافظ على نظام المجتمع

في فيلم فارس الظلام يساوم الجوكر الشرطة في إحدى فيديوهاته التهديدية بالحفاظ على النظام والأمن في المدينة مقابل إزالة باتمان لقناعه وإظهار حقيقة شخصيته ووجهه للعالم. شخصية الجوكر في فيلم فارس الظلام تقف ضد مفهوم الكذبة التي تحقق الاستقرار في المجتمع، فما يزعج في فيلم فارس الظلام حسب الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك هو أنه يظهر الكذبة كمبدأ عام في حياتنا الاجتماعية والسياسية وكأن مجتمعاتنا لا تنتظم إلا إذا كانت مُؤسسة على كذبة وكأن قول الحقيقة -وقول الحقيقة في هذه الحالة يُجسّد في الجوكر- يعني التخريب واختلال ميزان النظام الاجتماعي.

نحو نهاية الفيلم تصبح الكذبة كجمرة ساخنة تُقذف من يد شخص إلى شخص أخر، بداية من المدعي العام هارفي الذي يعترف أمام الملأ كذبا أنه باتمان لحماية باتمان الحقيقي ثم الشرطي غوردن الذي يزيف حقيقة موته لإنقاذ عائلته وفي النهاية، باتمان الذي يتحمل مسؤولية الجرائم التي ارتكبها المدعي العام حتى لا يفقد المواطنون الثقة في النظام القانوني، فكل شيء سينهار لو علم المواطنون مدى الفساد في النظام لذلك التجأ باتمان للكذب من أجل الصالح العام والحفاظ على الالتحام.

هذه الفكرة المبنية على كون الحقيقة مكلفة مما يتوجب طمسها ليست نظرية جديدة من اختراع مخرج الفيلم كريستوفر نولان، فهي حكمة قديمة طرحها الفلاسفة سابقا بداية من أفلاطون الذي أطلق عليها اسم الكذبة النبيلة، وكانط وإدموند بيرك وغيرهم.

الكذبة النبيلة عند أفلاطون
الجوكر كان يعتنق مذهب الفوضوية anarchisme، الذي يحارب النظام الاجتماعي المفروض من قبل الدولة ويقاوم كل التبريرات التي تبرر بها الدولة عنفها الشرعي من أجل إرضاخ المواطنين

قدم أفلاطون في كتابه محاورة الجمهورية، رؤية فلسفية أسطورية لنشأة حركة تاريخ البشر أطلق عليها اسم الكذبة النبيلة، في رؤيته هاته والتي استنبطها من الشاعر الملحمي اليوناني هزيود يقول أفلاطون أن جوهر النفس لدى البشر يتكون من معادن مختلفة، فالذهب يُكوِّن نفوس الحكام والفضة تُكوّن نفوس مساعديهم (الحاشية والجنود) والنحاس مكون لنفوس المزارعين والتجار وعامة الناس، سبب التقسيم هذا يفسره أفلاطون بكونه وسيلة للحفاظ على تماسك المجتمع عبر خلق طبقات في المجتمع مغلقة بمفاتيح إجبارية تمنع الخروج والدخول عبر الطبقات، لكن أفلاطون في ذات الوقت عاد لوضع شروط تجعل الانتقال بين الطبقات ممكنا بشرط التفوق والذكاء لصعود الطبقات أو نزولها في حال عدم توافق معدن النفس مع الطبقة التي ولد فيها الفرد.

أفلاطون اقترح استعمال "الكذبة النبيلة"، لأنه أدرك  صعوبة إقناع المواطنين بوضعيتهم الطبقية داخل المجتمع لذلك ابتدع أسطورة المعادن حتى يقتنع الأفراد بوضعهم داخل المجتمع ويبقى الحكام في طبقتهم أمنين ومتحكمين في الوضع، بالعودة لفيلم فارس الظلام يتجسد باتمان في شخصية رجل الأعمال الغني الذي يدافع على نظام السلطة فيما يواجهه الجوكر الذي كان ضحية للمجتمع ولوالده السكير، من زاوية أخرى الجوكر لا يهتم بالمال- فقد أحرق حصته الضخمة من المال- باتمان في نهاية المطاف رجل اعمال والجوكر يحارب النظام والسلطة الرأسمالية.

لم كل هذه الجدية!

يحكي مساعد باتمان في الفيلم عن فترة عمله كمحقق في بورما حينما كانت قوافل ممتلئة بالأحجار الكريمة معدة لإرشاء الحكام المحلين من أجل موالاة أمريكا تتعرض للسرقة في ظروف غامضة، حاول المحققون تتبع مسارات بيع المسروقات دون جدوى حتى صادف مساعد باتمان بعد ستة أشهر طفلا يلعب بحجر نفيس ضخم، فقد اكتشف المساعد أن السارق كان يسرق القوافل دون بيع الغنائم بل كان يرميها ويسرق من أجل الاستمتاع فقط.

أما الجوكر فجميع عملياته لم تكن من أجل المال، بل من أجل إرسال رسالته كما يقول، الجوكر كان يعتنق مذهب الفوضوية anarchisme، الذي يحارب النظام الاجتماعي المفروض من قبل الدولة ويقاوم كل التبريرات التي تبرر بها الدولة عنفها الشرعي من أجل إرضاخ المواطنين، الجوكر إنسان متميز يمثل الإنسان الأعلى عند نيتشه، فكما يلقب نيتشه نفسه أنه لا أخلاقي  يقول الجوكر بأن الطريقة المثالية للعيش في هذا العالم هي العيش بلا قوانين.

الجوكر في فيلم فارس الظلام استطاع جعل التفلسف أسلوب حياة وليس مجرد تأملات حبيسة في الأوراق، بشخصيته الغامضة القادمة من اللامكان، يظهر فجأة دون ماض ولا معلومات سابقة حوله (حين اعتقلته الشرطة لم تجد أي بيانات حوله) كأن الجوكر كان منعزلا عن العالم كزرادشت وبوذا ثم ظهر من العدم. إن رسالة الجوكر في الفيلم رسالة تخريبية،عدمية وفوضوية، يفك الجوكر في إحدى اللقطات قيود رجل القانون ويخاطبه: قم بالفوضى، كل شيء يصبح فوضى، أنا عميل للفوضى، هل تعرف ميزة الفوضى؟ إنها عادلة.

جدلية السيد والعبد

يرى هيجل في كتابه جدل "السيد والعبد"  أن الوصول للتسيد يمر بالضرورة عبر كسر الأطراف الأخرى ليصبحوا عبيدا يعترفون بالسيد، هاته الطريقة تستلزم بالضرورة المخاطرة بالحياة، هيجل يربط بين حتمية التسيد والمخاطرة (من لا يخاطر لا يتسيد)، وبالعودة للجوكر فمنذ بداية الفيلم وهو يخاطر بنفسه بداية من محاولة تفجيره نفسه أمام العصابة وإعطاءه المسدس للمدعي العام.. الجوكر في طريقه لتسيد المدينة أدرك جيدا المدى الذي يجب أن يصل له من أجل التربع على للقمة.

كما يرى هيجل في نفس الكتاب بأن وصول السيد للقمة هو في ذات الوقت بداية انحداره ومحوه للأخرين هو بداية تجاهله، غير أن الجوكر رغم وصوله للقمة يرفض قتل باتمان ويقول: أنا لا أريد قتلك، ماذا يمكنني أن أفعل بدونك؟ أنت تكملني!" الجوكر يدرك أن موت باتمان يعني بالضرورة سقوطه في الفناء وتحوله لإنسان عادي يفقد قدراته. في نهاية الفيلم ينتصر باتمان انتصارا ضعيفا على الجوكر، القانون يطارد باتمان ويصبح منبوذا، فتتحقق قولة الجوكر له: إذا فقدت المدينة حاجتها لك فستعاملك كمصاب بالجذام. يبدو أن الجوكر قد انتصر في النهاية.

 

"أنا لست وحشا.. أنا ذروة المنحنى"
– الجوكر



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة