التماس إلى الأثريين الأوروبيين!

لا تتعجب أيها القارئ العزيز.. فليس هذا العنوان من أفكاري؛ ولا ألفاظه تتسق مع معرفتي وآرائي؛ وإنما هو نداءٌ مر عليه ما يقرب من الزمان قرنان، حين استغاث الدبلوماسي الأمريكي "جليدون" عام 1849م بأصحاب الوعي الأثري؛ فأرسل إليهم نداءه الذي جاء بعنوان: (التماس إلى الأثريين الأوروبيين حول تخريب آثار مصر)، وبالرغم مما اشتمل عليه النداء من مخاطر وأضرار إلا أنه لم يجد من الأوربيين أو غيرهم آذانًا صاغية.

 

وقد سجل "جليدون" في استغاثته هذه بعض ما تتعرض له الآثار المصرية من دمار وتخريب متعمد، وكان مما ذكره؛ أن معبد فيلة كان من الممكن تحطيمه وتدميره على أيدي المخربين لولا حمايته بدوامات الشلال الأول، كما تحدث بأسف عن انتزاع أحد مقاييس النيل الموجود بأحد المعابد المصرية القديمة واستخدامه في بناء أحد القصور في عصر محمد علي، هذا فضلا عن ذِكره أن أكثر من ربع أحجار معبد دندرة استُخدمت في بناء مصنع للسماد عام 1835م.

 

ولم يكتف النداء بذلك بل كشف عن التخريب الذي تعرضت له آثار الأقصر، والبارود الذي استُعمل في تحطيم أجزاء من معبد الكرنك، كما بيّن أن الرشوة للمسئولين المصريين في ذلك العصر كانت كفيلة في حصول صاحبها على أجمل التماثيل، ونوه بشدة عن دور محمد على وحكومته في السماح بذلك، بل وسماحه للجنود الألبان – الذي ينتمي اليهم – بنهب وسرقة كل ما تطاله أيديهم لدرجة أنهم استولوا على الباب الخشبي لمقبرة سيتي الأول!

 

"جليدون" هذا هو الذي أطلق النداء الذي – وبالرغم من تجاهله من قبل المسئولين- إلا أنه استطاع أن يوثق لنا تلك الانتهاكات التي تعرضت لها آثارنا من قبل المصريين والأجانب على حد سواء

ولم يتوقف "جليدون" عند ذكر الألبان؛ بل أشار أيضًا إلى دور غيرهم من الأجانب في عملية التخريب؛ فذكر أن الأجنبي ذو الجنسية الإنجليزية الهندية المختلطة والذي كنّاه بــ"الأنجلو هندي" لم يتورع عن استخدام المعاول والمناشير في قطع النقوش الغائرة من جدران مقبرة "أمنحتب الثالث" ليسهل عليه القيام بنسخها، ثم قيامه بعد ذلك بإلقاء الأصل في النيل!

 

كما ذكر أن الفنان الفرنسي المنحرف المدعو "بريس دافن" الذي جاء إلى مصر سائحا بدأ يتسلل ليلاً – ولعدة أيام – إلى معبد الكرنك فاستولي على قائمة الملوك المحفورة على جدرانه بما تحمله من صور وخراطيش لمعظم فراعنة مصر، وقام بحملها في ثمانية عشر صندوقًا، ولما تم اكتشاف أمره قام حاكم (اسنا) بفرض حراسة على خيمته؛ إلا أنه وفي خلال أقل من شهر استطاع أن يرشي الحاكم نفسه فسّهل له عملية نقل الصناديق إلى مركبه أثناء الليل، وها هي قائمة الملوك تُعرض الآن بمتحف اللوفر بفرنسا!

 

لكن من هو "جليدون" هذا الذي أطلق النداء الذي – وبالرغم من تجاهله من قبل المسئولين –  إلا أنه استطاع أن يوثق لنا تلك الانتهاكات التي تعرضت لها آثارنا من قبل المصريين والأجانب على حد سواء، فـ "جورج روبينز جليدون" أمريكي الجنسية؛ ولد في (ديفون) بغرب إنجلترا عام 1809م، كان والده يعمل بالتجارة قبل أن يتم تعينه قنصلاً للولايات المتحدة الأمريكية في الإسكندرية عام 1835م، انتقل بعدها مع والده إلى مصر، وترقى هناك في العمل الدبلوماسي حتى أصبح نائبًا للقنصل الأمريكي في الأسكندرية خلال الفترة ما بين 1850-1853م، وفي تلك الأثناء أبدى اهتمامًا كبيرًا بالآثار المصرية، وكان يُحاضر في الجامعات الأمريكية عن علم المصريات؛ فاستطاع أن  يجذب إليه الانتباه، وقام بعمل العديد من الدراسات حول الآثار المصرية القديمة والكتابة الهيروغليفية، وكان من أغرب استنتاجاته أن المصريين كانوا من الجنس الأبيض! وفي يوم الـــ 16 من نوفمبر لعام 1857م تعرض "جليدون" لمرض الحُمى الصفراء فمات على إثرها ولم يكمل الخمسين من عمره، وكان حينها موجودًا في (بنما) فُدفن هناك؛ إلا أن أصدقاءه نقلوا جثته لاحقًا إلى (فلادلفيا).



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة