خاشقجي لن يكون الأخير.. فهل حقا يستوي الفكر والمفكرون لدينا مع الحذاء؟

blogs خاشقجي

الأكثر من مقتل خاشقجي والأكثر من التنكيل به، هو كيف وصل الحال بنا إلى هذا الحد من اللاإنسانية، لن أتكلم عن التفاصيل وعن الأسباب فمن هم أدرى وأوسع اطلاعا مني، قد أسالوا الحبر الكثير من أجل القضية، أغلبه صائب وقليله خارج عن السياق، خاشقجي في النهاية إنسان قبل أن يكون صحفيا مشهورا وذا صيت فاق الحدود، ولهذا لن أكرر ما قيل ولن ألوك فيه كثير، لكن استخدمت القضية بابا لما سأسرده وأقوله. هذا لا يعني بساطتها ولا أنها من الأشياء التي تعودنا رؤيتها، ولكن اغتيال الرجل هي النقطة التي ستفيض الكأس، الكأس الذي ندرك من خلاله أن الإنسانية قد ماتت فينا منذ زمن، ولهذا فلا رادع اليوم، لهؤلاء أمام أطماعهم وغاياتهم، فلا الدين ولا الأعراف ولا كوننا بنو آدم من لحم ودم وقلب أصبح يقف حائلا أمام الجزارين الذين يحكموننا.

 

مقتل خاشقجي ليس الأول ولن يكون الأخير ستظل الدكتاتوريات العربية تخمد كل صوت معارض لها ما دمنا، نحن في حد ذاتنا نبرر العنف والقتل ونشرعه، عنصرية وهمجية وشعارات قومية حمقاء نختبئ وراءها، ونخفي ذاك الوحش الكاسر الذي لا يروي عطشه سوى بدماء بشرية بريئة وحتى لو كانت مدانة من يعطينا الحق في ذلك، تجول في صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، أو افتح التلفاز صباح مساء، لن تجد سوى لونا أحمرا قاني يطبع به واقعنا ويكتب به حاضر سيكون غدا تاريخا لأولادنا، فأي شيء سوى صور العنف والقتل والدماء سنمنحها لهم، حتى ملاعبنا أصبحت ساحات قتال أشبه بمسارح الرومان قديما، تدخلها وأنت لا تعلم هل ستخرج منها كما دخلت أو ملفوفا بقطعة قماش بيضاء، وستجهد صحافتنا نفسها بالحديث عنك لأن من هوايات الصحافة العربية، التلذذ بمآسي الناس والمتاجرة بآلامهم، وأوجاع أرهقت كاهلهم مع الأيام، فعن أي سماحة وحلم تتحدثون، عن أي إرث ثقافي تتحدثون ماذا ورثنا من عرب شبه الجزيرة سوى سفك الدماء كما كان يفعل صعاليكهم وقطاع الطرق.

 

لا نريد أن نكون جزءا من مشاريعكم، لا نريد أن نفكر لا نريد أن نبدع، لا نريد مثقفين يتلونون كالحرباء، ويرتدون في اليوم ألف رداء

حاشا لله ومعاذ الله أن يكون ما جاء به محمد يبرر هذا ويدعمه، بل هم مشايخ المذلة والمهانة والعار، أئمة السوء والبلاطة، علماء البترو دولار، الذين اتخذوا من حكامهم أصناما تعبد ويركع لها كما ركعت قريش لهبل، كيف لا يقتل خاشقجي في أمة التفكير السلبي والمعلب، كيف لا يقتل في وطن تدفع فيه أموال الحج قربانا لأبله قادم من أقٌصى الأرض، فقط ليجوع إخوة لنا هنا، ويقصف أخرون هناك باسم بالسلام، السلام الذي يخفي تحته فتنة نتنة كما وصفها خير الخلق منذ أربعة عشر قرنا، أصبحنا كالقطط التي تأكل بعضا من أبنائها لعيش البقية، ما الفرق في أن يقتل صحفي، أو يضرب آخر أمام الناس من نائب برلماني انتخب من الناس وربما يكون ذاك الصحفي واحد منهم.

أمة المهانة والذل فيها تدعس العامة وتغتال العقول، ويهد الكيان وتمحق الذات، لم نعد نطلب لا ديمقراطية ولا حرية، لم نعد نريد لا عدلا ولا مساواة اجتماعية، اصبحت أقصى طموحاتنا أن نموت ميتة عادية، خذوا أوطاننا خذوا أموالنا خدوا ضحكاتنا، خدوا دموعنا التي نذرفها في غياهب الليل مرارة، على زمن شاءت الاقدار أن نكون جزءا منه، زمن ديناصورات تتوارث زعامة الغابة وحشرات تداس ولا يسمع لها أنين أو صراخ، لا نريد أن نكون جزءا من مشاريعكم، لا نريد أن نفكر لا نريد أن نبدع، لا نريد مثقفين يتلونون كالحرباء، ويرتدون في اليوم ألف رداء، ويتصارخون أمامنا كالديكة، ويتنافسون على من يقدم نفسه قربانا في حضرة الأمراة كل مساء.

 

فكما قال نزار:

ما هو الفكرُ.. حينَ يصبحُ فأراً 
كِسـرةُ الخبزِ –هَمُّهُ- والغِذاءُ
وإذا أصبـحَ المفكِّـرُ بُـوقاً 
يستوي الفكرُ عندها والحذاء

 

ونحن لا زلنا لا نسمع ولا نعي ولا نرى، إلا الموت الموت الموت كما قالت نازك الملائكة. حتما إنها الكوليرا بعينها هاته التي نعيشها اليوم.