شعار قسم مدونات

الكنز المفقود.. كيف اختلف اهتمامنا بالتعليم على مر العصور؟

blogs مكتبة

تختلف الأزمان والعصور ويختلف معها الإنسان بكل مكوناته: الاجتماعية، النفسية والفكرية. احتياجاته واهتماماته حادثة، تختلف كثيرا بين القديم والحديث، خصوصا ما يتعلق بالتعليم والجهد المبذول للتلقي والإنتاج، لذلك فهي مفارقة تحتاج الكثير من التأمل. خلال العصر النبوي، ومع نزول الوحي، كان هناك اهتمام شديد بالتعلم من قبل النساء والرجال معا، لفطنتهم بقيمة العلم اللازم لهم في تلك الفترة تحديدا. اجتهدوا في تحصيل ما أمكنهم من حفظ للقرآن الكريم والأحاديث مع الحرص على تعليم الأقارب ونشر ما تعلموا عن رسول الله مباشرة أو ما سمعوه من الرواة في مسائل فقهية، إذا ما عرض عارض لها. وهو الذي أشار إليه الطاهر بن عاشور في كتابه "أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ": "أن التعليم المبحوث عنه هو الذي يفيد كمالا في النوع باعتبار حاجات العصور والأقوام، والذي تتفاوت مدارس الناس فيه".

والذي يفسر فهم المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم والسنة، بدون تكلف أو عناء هو التعليم السائد عند العرب قديما، حيث كان الآباء يعتنون بفصاحة أبنائهم ولغتهم. كانوا يدربوهم عليها بالإضافة إلى الشعر والخطابة التي تعتبر وسيلتهم في حفظ الأنساب والرثاء والمدح.. تميزهم في الخطابة والفصاحة نتيجة تلقيهم للحكم والأمثال منذ الصغر، عدا أنهم اختاروا ترك المصاهرة من أمم أخرى والإقامة بها خوفا على ضياع لغتهم لاعتقادهم أن الاختلاط سبب فساد اللغات. وهذا كان كافيا في فهم لغة القرآن وأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

تتوالى الأجيال وتتغير معها توجهات المتعلمين والحكام في الاهتمام بالتعليم والعلوم وتنميتها في ذلك العصر. فبقدر ما تستغل ملكات الإنسان وقدراته، ينتج علوما ومعارف تستمر إلى الأجيال اللاحقة. وهذا ما حصل مع المسلمين الأوائل والتابعين والذين أتوا من بعدهم. كان التعليم الإسلامي يعتمد على تعليم الصبيان حروف الهجاء والكتابة تدريجيا بالكتاب ويلقن سور القرآن القصيرة. وإذا كان الصبي ذو حافظة قوية، استزاد في محفوظه للقرآن إلى أن يتقنه-حفظا ورسما- وألفاظ متون العلم بدون إفهام. ثم ينتقل إلى المرحلة التي يدرس فيها المتون بالفهم والشرح وحواش ثم إلى ما هو أوسع منه وأعمق في الشرح والمسائل.

لا يمكن إغفال الجهد الكبير المبذول من المرأة قديما، بالرغم من المعوقات ومحدودية الطموح التي كانت تعاني منه بسبب العادات والتقاليد. فكانت النساء تلقن الكتابة والقراءة وحفظ القرآن وفقه العبادات وكتاب الموطأ في عهد الأندلسيين

قد تعزى هذه الثروة العلمية إلى طريقة التعليم والتدريس في كل زمن، ومدى اهتمام الحكام بها، لكن لا يمكن أن نتجاهل طبيعة ذلك الإنسان في كل من هاته الأزمان. خاصة العلوم الشرعية، التي كان لها مكانة بليغة لدى المسلمين قديما حيث يعتبرونها شرف العلوم وأجلها. ويضحون لأجلها ما كان بمقدورهم ذلك أو يزيد. كانوا يسافرون لسنوات عدة، مشيا من الشرق إلى الغرب، جنوبا وشمالا، للاستزادة من علم أو سماع أحاديث لم تبلغهم، تاركين وراءهم ما يملكون من رزق وأولاد وأزواج… قد تنفد أموالهم في السفر، وقد تعترضهم عوارض، لكنهم يصرون على الاستمرار بهمة عالية وقلب قوي.

مختلف الأحوال والقصص ذكرت بكتاب "صفحات من صبر العلماء" للأستاذ عبد الفتاح أبو غدة، قال فيه: "قال عروة: لقد كان يبلغني عن الرجل من المهاجرين الحديث، فآتيه فأجده قد قال- أي نام او استراح وقت القيلولة في منزله- فأجلس على بابه، فأسأله عنه، يعني إذا خرج". وفي ترجمة محمد بن إسحاق، ذكر أن أول ارتحاله قبل سنة 330 إلى نيسابور وعمره 20 سنة، ورجع وعمره 65 سنة، دامت رحلته 45 سنة، ثم عاد إلى وطنه شيخا فتزوج ورزق الأولاد وحدث بالكثير.

الفقر كانت السمة الغالبة على الفقهاء قديما، لكثرة ترحالهم، وإصرار آبائهم على نهج طريق العلم. قال الشافعي: "كنت يتيما في حجر أمي، فدفعتني في الكتاب، ولم يكن عندها ما تعطي المعلم، فكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام. فلما ختمت القرآن دخلت المسجد فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع الحديث أو المسألة فأحفظها، ولم يكن عند أمي ما تعطيني أشتري به قراطيس، فكنت إذا رأيت عظما يلوح-أي يلمع بياضه- آخذه فأكتب فيه،.. ثم قدم وآل على اليمن، فكلمه لي بعض القرشيين أن أصحبه، ولم يكن عند أمي ما تعطيني أتجمل به، فرهنت رداءها بستة عشر دينارا، فأعطتني فتجملت بها معه".

إلى جانب الرجل لا يمكن إغفال الجهد الكبير المبذول من المرأة قديما، بالرغم من المعوقات ومحدودية الطموح التي كانت تعاني منه بسبب العادات والتقاليد. كانت النساء تلقن الكتابة والقراءة وحفظ القرآن وفقه العبادات وكتاب الموطأ في عهد الأندلسيين، وكن ينصرفن إلى تعلم الخياطة والتطريز ويعددن للزواج. لكن بعض النساء شذذن عن هذا الطريق، مثل: حفصة الركونية، ابنة فائز، خيرونة.. وغيرهن كثر.

على طريق العالمات سارت الدكتورة عائشة بنت محمد علي عبد الرحمان المعروفة ب
على طريق العالمات سارت الدكتورة عائشة بنت محمد علي عبد الرحمان المعروفة ب "بنت الشاطئ"، حفظت ألفية بن مالك في النحو وبعض القصائد الصوفية قبل بلوغها سن السادسة
 

كن لا يتوانون عن السفر في طلب العلم أو التتلمذ على أساتذة ومشايخ رجال، فأي عقبة تقف أمام تحصيلهم العلمي، يواجهنها بعزم وثقة صادقة في الغاية. "ابنة فائز القرطبي التي رحلت إلى دانية للقاء أبي عمر المقرئ، فوجدته على فراش الموت، فأخذت عنه رغم مرضه، فحضرت جنازته، ثم سألت عن أصحابه فذكر لها أبو داود بن نجاح، فلحقت به بعد وصوله إلى بلنسية فتلت عليه القرآن بالسبع.."، وكانت قد أخذت عن أبيها علم التفسير، العربية والشعر ومن زوجها الفقه والرقائق. من كتاب أعلام من الغرب الإسلامي للدكتور عبد العزيز فارح.

وعلى طريق العالمات سارت الدكتورة عائشة بنت محمد علي عبد الرحمان المعروفة بـ "بنت الشاطئ"، حفظت ألفية بن مالك في النحو وبعض القصائد الصوفية قبل بلوغها سن السادسة. واجهت رفض العادات والتقاليد بالإصرار على مواصلة التحصيل إلى أن صارت أستاذة جامعية في العديد من الجامعات الإسلامية حول العالم، ولها إنتاجات غزيرة من الكتب. ارتباط الإنسان بواقعه وطبيعته البشرية ووظيفته الكونية، من القواعد المتينة التي اعتمد عليها الإنسان قديما، فعمل وفقها واستغلها أحسن استغلال، فصارت الصناعة هي الإنسان أولا. إذن، فبقدر سعة الإنفاق تجنى الثمار، وبقدر استثمار وصقل مهارات الإنسان وملكاته تنتج العلوم والمعارف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.