لن تنجح ثوراتنا دون تخطيط.. وهذا هو الطريق!

مدونات -البجعة السوداء

في كتابه الشهير "البجعة السوداء"، يقدم (نسيم نيكولاس طالب)، الأمريكي من أصل لبناني، مفهوم جديد عن الأحداث الغير متوقعة ذات الأثر الهائل والتي لم يكن من الممكن التنبؤ بها، والتي غالباً ما يتحاذق علماء التاريخ والاقتصاد بمحاولة تفسير أسبابها بأثر رجعي وكأنها، على غير الحقيقة، كانت متوقعة منتظرة. ويحاجج (طالب) أن مثل هذه الأحداث التي لا يمكن التنبؤ بها، والتي سماها بالبجعات السود، هي التي تغير الواقع وتحدد مسار التاريخ حقاً لا تلك الأحداث المكررة المتوقعة أو بتعبيره (البجعات البيض).

وقد ضرب أمثلة عديدة لتلك البجعات السود، مثل الأزمات الاقتصادية العالمية، والاكتشافات العلمية المفاجئة، والهجمات الإرهابية الكبيرة مثل الحادي عشر من سبتمبر، وبالطبع الثورات. لا أحد يخطط للثورة، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها. فما من ثورة إلا وتكون عفوية مفاجئة خاطفة مربكة، فمن خطط للثورة الفرنسية؟ ومن خطط للثورة الأمريكية؟ ومن كان يظن أن شاه إيران القوي سوف يسقط بهذه السرعة؟ ومن الذي تنبأ بالربيع العربي؟ وفي ظل ما تعيشه أمتنا وشعوبنا من قهر وظلام ودمار وأسقام، لا نكاد نرى حلاً إلا الثورة. فهي وحدها القادرة على زعزعة العروش وإرباك الجيوش ومفاجأة المستبدين وإلقاء الرعب في قلوب الظالمين.

لا يجب أن يكون هناك مكان للنوايا الباطلة مثل القومية والديموقراطية والحزبية، ناهيك عن النوايا الخبيثة من حب السلطان والجاه والشرف والتغلب والعلو في الأرض بغير الحق.

فترانا اليوم في مأزق شديد وكرب عظيم، فهل علينا أن ننتظر ثورة لا يمكننا التخطيط لها أو التنبؤ بها؟ أم علينا أن نقنع بحال الذلة والهوان وضياع الثروات والأوطان؟ أم هل هناك طريق أخرى يمكن لبعضنا سلوكها؟ يسخر(طالب) في كتابه من هؤلاء الذين يظنون أن بإمكانهم التنبؤ بهذه البجعات السود، ومن ثم الاستفادة منها أو تجنب مخاطرها. ويأتي بالمثال تلو المثال على الفشل الذريع لهؤلاء وحالتهم المزرية وخساراتهم الفادحة. إلا أنه، وفي فصول كتابه الأخيرة، يبين ما اعتبره بعض الأمور التي قد تجعل من تلك البجعات السود بجعات رمادي، وأول تلك الأمور هي أن نعلم علماً يقينياً أننا لن نستطيع التنبؤ بمثل تلك الأحداث الهائلة، فلا يجب أن نبذل الوقت والجهد في محاولة استقراء متى تأتي الكارثة القادمة؟ أو أين يقع الزلزال القادم؟ أو أين تنفجر الثورة القادمة؟ فكل ذلك، من وجهة نظرة، لا طائل منه.

قد نتفق مع (طالب) في هذه النقطة أو نختلف. وليس هذا بالأمر الهام، فمن كان يظن أن بإمكانه التنبؤ بموعد ومكان الثورة القادمة فليبذل جهده وليأتي بأفضل ما عنده. بيد أن الأكثر أهمية، هو كيفية الاستعداد لتلقي تلك الصدمة أو الثورة واكتساب القدرة على تحويلها إلى المسار الصحيح وتجنب أضرارها والخروج منها بحال أفضل وصورة أكمل. لا ريب أن هذا هو ما لم يحدث في موجة الثورات الأخيرة المسماة "بثورات الربيع العربي"، فقد واجهت جميع الأطراف ثورات شعبية هائلة لم يكونوا يتوقعونها ولم يكونوا مؤهلين للتعامل معها. وقد هجمت تلك البجعات السود على كل من قوى الاستبداد والفساد وقوى الشورى والإصلاح.

فأما الأولى فأصابها انعدام اتزان مؤقت ما لبثت أن ثيتت بعده أقدامها ومن ثم وجهت ضرباتها إلى الأخيرة التي أصابها انعدام اتزان مزمن ما استطاعت بعده أن تستعيد توازنها قط. وكانت النتيجة هي أن انتهت بلادنا إلى حال أسوأ مما كانت عليه. إن انعدام الاتزان المؤقت الذي أصاب قوى الاستبداد والفساد مثَل فرصة غير مسبوقة للإطاحة بها والتخلص منها للأبد، وهو ما كان يدعو إليه الشيخ حازم أبو اسماعيل صارخاً بقوله "أدركوا اللحظة الفارقة". إلا أن ما لم يدركه الشيخ، أو لعله أدركه ولم يصرح به، هو أنه لم تكن أمام هذه الشعوب المقهورة أي فرصة لإدراك تلك اللحظة بأي حال من الأحوال، فتلك الثورات كان محكوماً عليها بالفشل منذ اللحظة الأولى لاندلاعها.

وهنا يأتي بيت القصيد، وهو أن التغيير وإن أتى مفاجئاً، لا أمل له أن يكتمل إلا بإعداد قبله، كما أن الصلاة لا تكتمل إلا بوضوء قبلها. فما هو وضوء الثورة؟ إذا أدركنا أنه لا أمل لنا إلا بالثورة، وأننا على الأرجح لن نستطيع التنبؤ بوقوعها، فليس أمامنا إلا أن نتوضأ لها وضوئنا للصلاة التي سوف تغسل أدران ذنوبنا وتطهر أسقام قلوبنا. وللوضوء أركان وواجبات ومستحبات، فإن سقط ركن من أركانه بطل وإن اكتملت واجباته ومستحباته كمل واستوى. والنية أول أركان الوضوء للثورة، فلابد أن تكون النية خالصة لله بأن تكون كلمة الله هي العليا، فلا يجب أن يكون هناك مكان للنوايا الباطلة مثل القومية والديموقراطية والحزبية، ناهيك عن النوايا الخبيثة من حب السلطان والجاه والشرف والتغلب والعلو في الأرض بغير الحق.

خلاصة القول هو أنه لا مفر لأمتنا من الثورة، وأننا في الأغلب لن نستطيع التنبؤ بزمانها ولا مكانها، وأن ما يلزمنا هو الاستعداد لها استعداد متوضئ لصلاته وعروس لزفافه.
خلاصة القول هو أنه لا مفر لأمتنا من الثورة، وأننا في الأغلب لن نستطيع التنبؤ بزمانها ولا مكانها، وأن ما يلزمنا هو الاستعداد لها استعداد متوضئ لصلاته وعروس لزفافه.

ولكن كيف تصلح النية بغير قصد؟ ألم نقل أن الثورات سوف تكون مفاجئة خاطفة؟ والجواب هنا هو أنه وإن أتت الثورات مفاجئة خاطفة، فإن أفعالنا فيها تأتي عن قصد ونية. وهذه النية إن لم تكن صادقة خالصة لله وحده، بطل العمل كله. بيد أن هذا هو الجزء الخفي من النية، ومحله القلب. أما الجزء الظاهر منها فهو وضوح الصورة وجلاء الرؤية والهدف. فلابد للشعوب، أو للطليعة الثورية بالأحرى، أن تكون على علم ووفاق لا لبس فيه بالوجهة التي تتجه إليها وبالصورة التي تطمح إلى الانتهاء عليها. وأقصد هنا صورة شاملة كاملة وتفصيلية في آن واحد لكل جوانب الحياة العامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تريد تغييرها.

فمثلاً لا يجوز أن تأتي الثورة وهذه الطليعة الثورية لم تقرر إجمالاً وتفصيلاً ما هو شكل النظام السياسي الذي تطمح إليه وما هي مرجعيته وما هي قيمه الحاكمة لسلوكه وأهدافه وما موقعه من الديموقراطية والشورى، وما هي مؤسساته وما هي آلياته ووسائله وما هو موقع مراكز القوة فيه. فعلى سبيل المثال، لابد أن يكون هناك رؤية شاملة واضحة جلية لعلاقة المدني بالعسكري والتنفيذي بالتشريعي والقضائي والحاكم بالمحكوم. ومثل هذا لابد أن ينسحب على كل جوانب الحياة العامة الأخرى من الاقتصاد والاجتماع والصحة والتعليم.. إلخ.

قد يقول قائل إن هذا صعب إدراكه عسير المنال، ولهؤلاء أقول وهكذا حال كل أمر عظيم، فالنعيم لا يدرك بالنعيم والراحة لا تدرك بالراحة. وعلينا أن نعلم أن مخاطرة أن تأتي ثورة بغير هذا الوضوح في الرؤية هي أعظم مشقة وأشد عسراً. وما خبر الربيع العربي منا ببعيد. وما نجحت ثورة إلا وأهلها لهم مثل هذا أو أكثره وراجع إن شئت خبر الثورة البلشفية الإيرانية والأمريكية. فعلينا أن نتوكل على الله ونستعين به فهو أمر عسير حقاً إلا على من يسره الله له وأخلص نيته وطهر سريرته.

إلا أن هذا الركن الركين – النية ووضوح الغاية والصورة – لن تتحقق بالشكل الأكمل إلا بعد تحقيق الركن الثاني، ألا وهو وحدة القيادة الاتفاق عليها والالتفاف حولها. ولا أعني بهذا وحدة القيادة في مؤسسة أو جماعة أو فصيل يقود الثورة، وإنما أعني رجلاً واحداً فرداً علماً عالماً حراً قوياً ذا همة وبصيرة وعزم. وهذا ركن يطول فيه بسط الكلام وتزل فيه أثبت الأقدام فليس هناك مفر من تأجيل التفصيل فيه وغيره من الأركان والمستحبات لقابل الأيام والمقالات. وخلاصة القول هو أنه لا مفر لأمتنا من الثورة، وأننا في الأغلب لن نستطيع التنبؤ بزمانها ولا مكانها، وأن ما يلزمنا هو الاستعداد لها استعداد متوضئ لصلاته وعروس لزفافه. والله من وراء القصد والحمد لله أولاً وآخراً.