عبقرية حقيقية.. خيري السمرة

blogs طبيب جراح

على غير موعد من ذكرى ميلاد أو وفاة أكتب مدونتي اليوم عن الدكتور خيري السمرة العبقري الذي لم تكن عبقريته تتوقف عند موعد أو توقيت، وإنما كانت متأججة دافقة بالعمل والإنجاز على نحو مذهل لم يعرف عند غيره من معاصريه؛ كان كما يعلم الناس جميعا جراح أعصاب كبيرا قديرا لا يكف عن العطاء لكنه كان وهذا هو الأهم حريصا على أن يكون طبيبا ماهرا لا يكف عن التشخيص والتعلم، ومع أن العادة الغالبة على جراحي جيله كانت أن يبتعدوا عن ممارسة فنون التشخيص الباطني وعن العلاج الباطني والدوائي فانه كان لا يترك فرصة لاقتحامهما إلا وانتهزها، وذلك لإيمانه العميق بانه طبيب في المقام الأول والأخير، وكان يختلف في هذا عن النجوم المعاصرين له من الجراحين الذين كانوا يعتزون بلقب الجراح وصفة الجراح بينما هو كان حريصا دون جدل على صفة الطبيب مع صفة الجراح، وهو خلق نادر في جيله وبعد جيله.

 

كان خيري السمرة نجما من نجوم الحياة العامة حريصا على الاتصال بالمجتمع من شرفته العالية، وليس على الاتصال من خلال المشاركة المتكافئة وكان عليه أن يتكفل بأداء تكلفة هذا الفارق بين المشاركتين، ومن إحقاق الحق أن أقول إنه دفع هذه التكلفة عن رضا وقبول واقتناع ودون ملل أو ضجر أو توقف أو تأفف وهكذا كانت علاقته بمؤسسات المجتمع بلا استثناء علاقة القادر المتفضل وليست علاقة الند الذي يعطي ويأخذ، أو يعقد الصفقات، ومع أنه كان في وسعه أن يدير ملف علاقاته بمؤسسات المجتمع بطريقة اكثر استثمارا فانه فضل سلوك النبلاء القدامى الذين يتفضلون على الدوام.

 

كان خيري السمرة صاحب لماحية فكرية عالية طورها العلم والعمل الطبي بحيث أصبح صاحبها قادرا على اكتشاف الموهبة، وعلى تقدير النجومية، وعلى معرفة اتجاهات الريح

ومع أن من حق القارئ أن أذكر له أسماء بعض هذه المؤسسات فإن ذكر بعضها يجعلني أقع تحت طائلة قانون العقوبات، كما أن ذكر بعضها دون ذكر البعض الآخر لا يستقيم فيما أخذت به نفسي من عدالة، وهكذا فاني أفضل الاكتفاء بما أشرت إليه بالتلميح. رزق خيري السمرة التفوق على مجموعة من الأنداد النادرين في تاريخ جيله كانوا جميعا زملاء له لكنه سبقهم إلى التفوق الساحق في مرحلة طلب العلم ثم في المرحلة المبكرة من ممارسة الطب ثم في المرحلة الناضجة من ممارسة الطب، وظل على الدوام متقدما بين أقرانه بحرص بالغ على التفوق الحقيقي الذي لابد له أن يستزيد من الاطلاع والسماع والممارسة والمناقشة والحضور والمتابعة والتعقيب والإصلاح والعلاج.

 

كان خيري السمرة صاحب لماحية فكرية عالية طورها العلم والعمل الطبي بحيث أصبح صاحبها قادرا على اكتشاف الموهبة، وعلى تقدير النجومية، وعلى معرفة اتجاهات الريح، وعلى تقييم الصلاحية، وعلى مد اليد أو قبضها، وعلى تقييم المشكلة وحلها، ومع انه شأنه شأن كل انسان كان يخطئ ويصيب فانه كان يتميز بسرعة الإصابة وبطء الخطأ، وهكذا كانت أخطاؤه الاجتماعية والإدارية قابلة بالفعل للإصلاح والعلاج.

 

وفي اللقاءات التي جمعتني به عرفت فيه قدرة رائعة على الحكم على الأمور بدون تعصب ولا انفعال حتى وان كان حريصا على إبداء انفعاله ليريح أعصابه من ناحية وليثبت موقفه من ناحية أخري لكنه مع هذا كان حريصا على ألا يبتعد عن تيار الأغلبية مهما كانت عيوبه، وعلى ألا يخاصم الراي العام مهما كان شططه. وقد كان في مجمل هذا السلوك بمثابة نموذج بارز للأعلام والعلماء اللامعين الذين يهتدي بهم الناس في بعض مواهبهم من دون أن يعتمدوا على نجوميتهم فيما هو أبعد من هذا في صياغة التوجهات العامة، وربما أن العمر لم يسعف خيري السمرة بسنوات يحقق فيها مثل هذا التحول الذي كان قادرا على قيادته. ومع أننا لا نستطيع أن نقول إنه لم يكن من الذي أحبوا أن يصوبوا المسارات فإنه على كل حال لم يكن داعية لخطأ أو فساد.

 

لا أزال أذكر خيري السمرة بكل خير في كل ما اشتركت معه فيه من مناقشات أو تخطيط أو عمل أو مجاملات، أذكره بكل حب حقيقي فقد عرفت فيه كرما محسوبا، ومجاملة رائعة، وذاكرة ودودة، وطموحا ذكيا، وألما نبيلا، وقدرة على الوقوف الواثب بعد الإصابة مهما كانت قسوتها، ومع هذا فإني لا أنكر أنني قد أصبت بحالة حادة من الوجوم يوم رأيته لآخر مرة وكأني لم أر مريضا يمضي إلى نهايته من قبل.