زميلتي الطبيبة التي قتلها الحب!

blogs القتل

كانت قد مضت بضعة أشهر على مزاولتي لتلك الوظيفة الجديدة كطبيب عائلة في بلدية ساو باولو حين انضمّتْ طبيبة جديدة إلى فريق عملنا. غلاوسياني، أو غلاوسيا – كما كانت تحبّ أن تُنادى- كانت أمًّا لطفلين قد أتمّت الأربعين لتوّها. ولستُ أدري الآن أي شيء فيها لفت انتباهي أكثر للوهلة الأولى: أَشَقَارها المشبّع بالحُمرة، أم ملامحها التي تشي بحزن عميق، أو نظراتها المستغيثة المسترحِمة التي تثير عاطفة أولي الرأفة وتغري اللئام باستضعافها واستغلالها؟ لم تكن فائقة الحُسن، ولكن مسحةً من جمالٍ حيّيٍ منكسر كانت تصبغ شخصها.

 

كانت تكبرني باثني عشر عامًا، وقد كنتُ آنذاك أبلغ الثامنة والعشرين من عمري. ومنذ اللحظات الأولى التي استلمتْ فيها وظيفتها الجديدة، نشأ بيني وبينها شيءٌ ليس بالصداقة ولا بالحبّ، وإنما كان نوعًا من الاستلطاف دفعني إلى مرافقتها لتناول طعام الغداء في أحد المطاعم القريبة من مكان عملنا. وقد كنتُ الطبيب الوحيد -من ضمن فريق العمل المؤلَّف من ثمانية أطباء- الذي تقرّبت منه غلاوسيا.

 

أخذتُ أسمع من طاقم التمريض ومن باقي الموظّفين أن زميلتي الجديدة قد شوهدَت غير مرة تجهش بالبكاء خلال الدوام. لم يكن أحد يعلم بالضبط ما أسباب حزنها وأساها، ولكن الجميع -ومن بينهم رئيستنا في العمل- لاحظوا أن شيئًا ما لم يكن على ما يرام في حياة الدكتورة القادمة حديثًا. ولكنني رحتُ شيئًا فشيئًا، أثناء مرافقة هذه الزميلة في وجبات الغداء، أدرك ما الذي كان يدفع المسكينة إلى الاكتئاب والتأزّم.

 

لم تخبرني شيئا عن تفاصيل زواجها الفاشل بالنادل الأرجنتيني، والذي كانت حصيلته طفلين، ولكنها أخبرتني بألم ظاهر كيف اكتشفت خيانة هذا الزوج لها، مما أدّى إلى الطلاق المحتوم

رَوَتْ لي أنها الابنة غير الشرعية لطبيب يهودي من عشيقته البرازيلية، التي تُرِكَتْ لمصيرها في طفولة الدكتورة غلاوسيا، التي لم يعترف بها والدها أبدًا. وما لبثت أمها أن تزوّجت من رجل من أصول يابانية. أعطى هذا الرجل لقبه للطفلة التي تبرّأ منها والدها، وأصبح الأب الفعلي لها. فكانت الابنة الطبيعية الشقراء لرجل يهودي والمسجّلة رسميا كابنة رجل ياباني لا تحمل شيئا من ملامحه ولا جيناته. ولكنها شَكَتْ لي بحرقة كم كان يسيء معاملتها، وكم آلمها تخلّي والدها عنها، لتقع تحت سيطرة زوج أمها الفظّ الغليظ. ولهذا كانت لا تتحرّج من التعبير عن عميق كرهها لليهود واليابانيين معًا، بسبب الظلم الذي وقعت ضحيته على أيادي رجلين ينتميان إلى هاتين الهويتين. ولربما كانت غلاوسيا قاسية ومغالية ومعممة في شعورها الخالي من الودّ تجاه هذين الشعبين، ولكن نبرة القهر والأسى في صوتها وتعابير التفجّع على وجهها تجعلنا نتفهّم موقفها الحادّ.

 

حَكَتْ لي كم كافحتْ من أجل الحصول على القبول بأهم مدرسة للطب في البرازيل، وهي كلية الطب التابعة لجامعة ساو باولو، في نفس مدينة ساو باولو. وهذا ربما كان أملها الوحيد في التخلص من ظلم وتحكم زوج أمها. لم تكن السنوات الستّ التي قضتها في الكلية سهلة، إذ أنّها عانَتْ من صعوبة في الاندماج مع زملائها بسبب أزمات نفسية عصفت بها، ولكنها تخرّجت بنجاح في نهاية الأمر، وشرعت في ممارسة مهنة الطب.

 

لم تخبرني شيئا عن تفاصيل زواجها الفاشل بالنادل الأرجنتيني، والذي كانت حصيلته طفلين، ولكنها أخبرتني بألم ظاهر كيف اكتشفت خيانة هذا الزوج لها، مما أدّى إلى الطلاق المحتوم. وكنت قد استغربتُ في قرارة نفسي، دون أن أفصح لها عن هذا الأمر، أشد الاستغراب كيف ترضى طبيبة بالزواج من نادل. وفي كل جلساتنا وحواراتنا لم تكن تأتي على ذكر شروعها في أي علاقة عاطفية جديدة. وقد كنتُ أقوم في معظم هذه الحوارات بدور المستمع، وكنت أترك لها أن تعبّر بحريّة عمّا يجيش في أعماقها من آلام وأحزان، وأدع لها الفرصة لكي "تفضفض" براحة. وأعترف أن لفتاتي وعباراتي المواسية والمخفّفة ما كانت لتغيّر شيئا من مأساة حياتها، نظرًا لشدّة ألمها وتمكّنه منها، ولكنني كنت أقوم بالاستماع لها مدفوعًا بتعاطفٍ صادقٍ مع هذه الزميلة التي ربما كانت الحياة معها قاسية أكثر من اللازم.

 

كانت بلدية ساو باولو تؤمّن للأطباء الراغبين "فان" يقوم بتوصيلهم من منازلهم إلى مقر العمل، ذهابًا، ومن ثم يعيدهم إلى منازلهم في نهاية النهار، إيابًا. وكنتُ من الأطبّاء الذين يستخدمون وسيلة النقل هذه، لتوفيرها الكثير من العناء والتكاليف في زحمة سير ساو باولو الخانقة. وفي يوم ثلاثاء يسبق عطلة رسمية، تبدأ يوم خميس وتنتهي يوم أحد، عرضتْ عليّ غلاوسيا أن أرافقها في سيارتها في طريق عودتها إلى منزلها، على أن تتركني في المنزل (كنت أسكن مع أهلي آنذاك) الواقع على طريقها. رفضتُ عرضها في البداية، لكنني أمام إلحاحها المصحوب بشيء من التوسّل، قبلت في النهاية، وأبلغتُ سائق "الفان" بألا ينتظرني في نهاية الدوام.

 

وفي الطريق إلى المنزل (نصف ساعة تقريبا) راحت تحدّثني بحديث لم تحدّثني به قطّ قبل ذلك، طيلة الشهرين أو الثلاثة من الزمالة الجديدة التي جمعتنا. أخبرتني أنها مسافرة إلى جنوب البرازيل، إلى ولاية "ريو غراندي دو سول"، حيث من المفترض أن تلتقي برجلٍ تربطها به علاقة عاطفية. قالت لي أنها ذاهبة إلى تلك المنطقة لمحاولة إنقاذ هذه العلاقة المضطربة التي نشأت عبر موقع "أوركوت" للتواصل الاجتماعي، وهو الموقع الأكثر رواجًا للتواصل الاجتماعي عبر الإنترنت خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في البرازيل كلها، وذلك قبل أن ينقرض نهائيا أمام قوة العملاق الذي لا يقاوَم: "الفيسبوك"، الذي اكتسح "الأوركوت" اكتساحا أزاله من الوجود. أخبرتني، وسط ذهولي وعدم تصديقي، أن هذا الحبيب المزعوم كان قد اعتدى عليها بالضرب المبرح، وأسمعها الشتائم الموجعة، ومع ذلك فإنها لا تزال تحبه. سألتها كيف بلغ بها الجنون هذا المبلغ، وماذا يبقى من الحب بعد كل هذا الكمّ من الإهانات والإذلال؟ تركتني في المنزل، ولم أرَها بعد ذلك أبدًا.

 

لم أستسلم للفراغ في هذه العطلة، وعملت في أيامها الأربعة كطبيب مناوب في أحد مراكز الطوارئ في مدينة ساو باولو. وكان هذا العمل الذي كنت أقوم به في العُطَل مرهِقًا ومستنفدًا لطاقتي بشكل كبير، فلم يكن يترك لي متّسعًا من الوقت للاطلاع على وسائل الإعلام ومواقع التواصل. وهكذا مضت العطلة في هذا العمل الشاق، في شبه عزلة عن العالم الخارجي.

 

صبيحة يوم الإثنين التالي لهذه العطلة، وصلت إلى مكان عملي في طب العائلة لمزاولة شغلي بشكل معتاد، فرأيتُ واحدة من الزميلات الطبيبات مع بعض الممرّضات يتحدّثن بمزيج من وجوم ودهشة عن موضوع أجهله. فما إن اقتربت منهنّ حتى بادرتني الطبيبة الزميلة بالسؤال الصاعق: "هل رأيتَ ما حدث بغلاوسياني؟" قلتُ مدهوشًا وشاعرًا بأن هناك فاجعة ما: "خير إن شاء الله؟ لا أعرف سوى أنها كانت مسافرة إلى جنوب البلاد. رافقتها في الطريق إلى المنزل نهار الثلاثاء الماضي. وبعد ذلك لم أعرف أي جديد عنها." فقالت: "لقد قتلوا غلاوسياني!" فقلتُ: " يا للهول! ويا للفاجعة! وكيف كان ذلك؟" فأردفت: "طعنها ذلك الوغد المتوحّش بالسكّين ما يزيد عن ثلاثين طعنة في كافة أنحاء جسدها. وكان ذلك أمام الفندق الذي نزلت فيه للقائه، وفي وضح النهار، ولم يجرؤ أحد من الشهود العيان أن يقترب لإنقاذها! وقد كان ذلك في اليوم التالي لوصولها إلى الجنوب. لقد أذيع هذا الخبر على كافة نشرات الأخبار وفي كافة الصحف. ألم تشاهد الأخبار؟" أجبتُ: "كنت مشغولًا طيلة أيام العطلة، ولم تسنح لي الفرصة لمتابعة الأخبار."

 

قاتلها الحبيب المزعوم استغلها ماديًا وورّطها بديون مع البنك، وأنه سبق له أن هددها بالقتل، إذ أن هناك شكوى بهذا الأمر مسجّلة في أحد مخافر الشرطة
قاتلها الحبيب المزعوم استغلها ماديًا وورّطها بديون مع البنك، وأنه سبق له أن هددها بالقتل، إذ أن هناك شكوى بهذا الأمر مسجّلة في أحد مخافر الشرطة
 

كان يوم عمل ثقيل ذلك اليوم. وكانت هذه الجريمة المروّعة التي راحت ضحيتها تلك الزميلة المسكينة هي مادة الحديث في ذلك النهار كله. ولكن حركة الزبائن والمرضى استمرت بشكل اعتيادي. لم تكن الهواتف الذكية في ذلك العام (٢٠١٠ م) منتشرة كما هي اليوم، وكان هاتفي الخليوي البسيط آنذاك لا يتيح الاتصال بالإنترنت. لذلك انتظرتُ نهاية الدوام، ورحتُ أبحث بعد عودتي إلى المنزل عن هذا الخبر.

 

"جريمة قتل مروّعة راحت ضحيتها طبيبة من ساو باولو في ولاية ريو غراندي دو سول"، "اغتيال طبيبة في ريو غراندي دو سول والأدلة تشير إلى جريمة عاطفية": هذا كان نموذجًا عن العناوين التي اندرج تحتها هذا الخبر في وسائل الإعلام البرازيلية على الشبكة العنكبوتية، حيث علمتُ عن تفاصيل إضافية عن علاقة الدكتورة غلاوسياوني بقاتلها، الذي كان يعمل نجّارًا والذي تعرّفت عليه عبر موقع "أوركوت" للتواصل الاجتماعي. من هذه التفاصيل مثلًا أن قاتلها الحبيب المزعوم استغلها ماديًا وورّطها بديون مع البنك، وأنه سبق له أن هددها بالقتل، إذ أن هناك شكوى بهذا الأمر مسجّلة في أحد مخافر الشرطة (وقد أخفت عني غلاوسيا كل هذه التفاصيل المتعلقة بهذه العلاقة العاطفية المريضة والمأساوية).

 

وبعد هذه الجريمة الفظيعة التي أودت بحياة زميلتي في العمل، أخذتني مشاعر الذهول والأسى وعدم التصديق لأيام غير قليلة، خاصة وأنني لم يكن ليخطر ببالي أن أمورًا كهذه من الممكن يذهب ضحيتها زملاء أو زميلات في المهنة من الذين يرضون بالتورّط في علاقات عاطفية مريضة، بالأخص في زمن وسائل التواصل الاجتماعي الذي يفتح أبواب التعارف على مصاريعها.