جمال خاشقجي.. لهذه الأسباب تُرعب الكلمة أرباب السلطة

blogs جمال خاشقجي

إن الخوف الذي يتسلط على الطغاة والمستبدين، يُغيب عقولهم عن التفكير، وأعينهم عن البصر وقلوبهم عن البصيرة، وكلما كان الخوف أعمق يصبحون فريسة لأمراض نفسية تجعلهم يتلفتون حولهم، ويتوجسون خيفة من كل متحرك ولو كان ظلهم! وترتعد فرائسهم من سماع كلام من يخالفهم، أو حتى من يصادقهم إذا كان كلامهم نصحاً أو عاقلاً، وكلاهما يصبح فوراً أعداءً لهم. لأن الخوف يحول الطغاة إلى اللامنطق، بعدما طرحوا العقل جانباً، ما يتولد عنه وحشية، ويصبح الإرهاب والقسوة هي وسيلتهم الوحيدة لنيل الطاعة، وكسر المعارضين، والهيمنة على البلاد والعباد حسب ما يرى المتعصبين والمنافقين والبلطجية والوصوليين؛ هؤلاء المقربون من الطغاة والذين يؤول إليهم التنفيذ والنصح، أولئك الذين يعيشون على دماء الناس وخراب البلاد.

إن النهاية البشعة والانتقام الرهيب من الكاتب الصحفي جمال خاشقجي، وصل حد تقطيع جسده والتمثيل بجثته لهو تجسيد حقيقي لحالة الخوف هذه والفزع من كلماته المهذبة وقلمه المؤدب. ولا أدري لو كان قلمه كالسيف يقطع ويؤذي ويسب ويفشي أسراراً ماذا كان مصيره؟! إن كلمات خاشقجي لن تضيع هدراً، ربما يغيب غارسها ولكن بذرتها ستكبر يوماً وتشمخ حتى تكسر أنوف الطغاة المتكبرون. لقد كان موت خاشقجي من أقوى محركات الحياة! لم يكن أبداً سكوناً، ولكنه حركة وحياة نفخت في العالم من روحها فأحالته حركة وضجيجاً، ونمواً وفاعلية لو ظل حياً سنوات لما استطاع أن يحرك عشرها.

يقول الأستاذ سيد قطب في أفراح الروح: "إن فكرة الموت ما تزال تخيل لك فتتصورينه في كل مكان ووراء كل شيء وتحسبينه قوة طاغية تظل الحياة والأحياء وترين الحياة بجانبه ضئيلة واجفة مذعورة. إنني أنظر اللحظة فلا أراه إلا قوة ضئيلة حسيرة بجانب قوى الحياة الزاخرة الظافرة الغامرة، وما يكاد يصنع شيئاً إلا أن يلتقط الفتات الساقط من مائدة الحياة ليقتات!.. والحياة ماضية في طريقها، حية متدفقة فوارة لا تكاد تحس بالموت أو تراه!.. عندما نعيش لذواتنا فحسب تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة تبدأ من حيث بدأنا نعي، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود.. أما عندما نعيش لغيرنا أي عندما نعيش لفكرة فإن الحياة تبدو طويلة عميقة تبدأ من حيث بدأت الإنسانية وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض. إننا نربح أضعاف عمرنا الفردي في هذه الحالة نربحها حقيقة لا وهما.. حقيقة أصح من كل حقائقهم!".

خاشقجي يقف اليوم في طابور طويل مع هؤلاء الذين تحدوا الظلمة والظلاميين، لا يملكون في هذا الصراع المرير سوى أقلامهم وحناجرهم، يجوبون بهما الآفاق، يضحون من أجل تبليغها بكل غال ونفيس

لقد عاش خاشقجي كلماته وحولها واقعاً ودفع ثمناً غالياً لها، منذ أن اختار الهجرة والبعد عن الأهل والأولاد والأصحاب حتى يتمكن ويستمر من الكلام، والنصح والدفاع عن وطنه ومبادئه وقيمه، وحتى مقتله كان من أجل هذه القيم والمبادئ الذي ظل سنوات يدافع عنها. لقد ظهر لنا نبله وصدقه، لأنه كما يقول سيد قطب: "لا حياة لفكرة لم تتقمص روح إنسان، ولم تصبح كائناً حياً دبّ على وجه الأرض في صورة بشر! كذلك لا وجود لشخص – في هذا المجال – لا تعمر قلبه فكرة يؤمن بها، في حرارة وإخلاص …إن التفريق بين الفكرة والشخص، كالتفريق بين الروح والجسد أو المعنى واللفظ، عملية – في بعض الأحيان – مستحيلة، وفي بعض الأحيان تحمل معنى التحلل والفناء.. كل فكرة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان! أما الأفكار التي لم تُطْعَمْ هذا الغذاء المقدّس، فقد وُلدت ميتة، ولم تدفع بالبشرية شبراً واحداً إلى الأمام"!

والصراع بين السلطة الغاشمة المستبدة، والكلمة صراع أبدي، كان الرابح فيها الكلمة الدؤوب المثابرة، مع عظيم ثمنها وهو في الأغلب النفس والروح. ولكنه الخلود والرفعة في الدنيا والآخرة. يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم:" سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله". رواه الحاكم وصححه والخطيب، وصححه الألباني. يقول الأستاذ خالد محمد خالد: "ولقد كتب على الكلمة أن تخوض صراعاً طويلاً وعاتياً مع السلطة تارة، ومع الناس تارة أخرى. ولطالما أُوقدت المشاعل حول شهداء الكلمة، وتحلق حولهم الناس ليشهدوا في شماتة مصيرهم الفاجع! ولطالما تُركت لجوارح الطير وكواسرها جُسوم مصلوبة كان كل ذنب ذويها أنهم حملوا إلى عصورهم الراكدة الضالة حياة جديدة وهُدى جديداً…كانت الكلمة تخرج من هذا الصراع بكثير من الجروح والدم المنزوف. ولكن شعارها كان دائماً: كل مالا يقتلني يُحييني. ومن ثم كان الظفر النهائي لها، والمستقبل دائماً لها".

إن خاشقجي يقف اليوم في طابور طويل مع هؤلاء الذين تحدوا الظلمة والظلاميين، لا يملكون في هذا الصراع المرير سوى أقلامهم وحناجرهم، يجوبون بهما الآفاق، يضحون من أجل تبليغها بكل غال ونفيس، حتى إذا ماتوا في سبيلها دبّت فيها الروح وكتبت لها الحياة. فهذا أناكساجوراس يعلن في أثينا أن الشمس كرة ملتهبة فتقوم قيامة السلطة والعوام التابعين، ويرونها زيفاً وعيباً في حق الآلهة ويقرروا نفي أناكساجوراس. وسقراط ينشب صراع حاد بينه وبين السلطة الذي تتهمه بالعيب في الآلهة وإفساد شباب أثينا، وإنما كان خطر سقراط هو الكلمة، وإصراره أن يفكر حراً، ويتكلم حراً، ويحيا حراً. وطبعا هذا لم يعجب الحكام فراح ضحية كلماته.

 

وينفي ديونيسيوس ملك سراقوسة أفلاطون إلى جزيرة أجينا، وهناك عرضه حاكم الجزيرة للبيع مع العبيد، حتى افتداه رجل كان يعرفه. وأرسطو فيما بعد يلقى نفس المصير بسبب كلماته. وفي أوروبا يعلن برونو أن الأرض تدور حول الشمس، وأن ثوابت النجوم شموس تدور حول كل شمس منها توابع وكواكب، ودفع ثمن ذلك بأن حُوكم وأُحرق حياً. ويُسجن كوبرنيكس وجاليليو من أجل بضع كلمات ويُنكل بهما ويُضطهدا. وفي بداية القرن الثاني الهجري نادى الجعد بن درهم بأن القرآن مخلوق، وكان يشغل منصباً كبيراً في الدولة الأموية، فيقف الإمام أحمد ابن حنبل شامخاً يدفع ثمن كلماته، ومعه أحمد بن نصر الخزاعي، والذي صرخ في وجه الواثق حين سأله عن رأيه في خلق القرآن؛ صيحة مزلزلة وقال:" وما علمك أنت بالقرآن". فدعا الواثق جلاده الذي ضرب عنقه وعُلق رأسه في ميدان بغداد. وأما الإمام أحمد فقد صمد في شموخ وعزة وظل في سجنه شهوراً يُعذب كي يرجع عن قوله ولكن دون فائدة. وغيرهم كُثر، وليس آخرهم الشهيد سيد قطب الذي رفض مساومات عبد الناصر، فشنقوه ظلماً وعدواناً. هذه بعض معالم الصراع بين السلطة والكلمة. ولكن هل اختفت الكلمة ولاذا الفكر بالفرار؟!

يقول الأستاذ خالد محمد خالد: "لقد قُتل من قتل، ونُفي من نُفي، وسُجن من سُجن، وعُذب من عُذب، ولكن ما من فكرة نشروها ولا كلمة كتبوها إلا ظلت صامدة بعيدة من كل سجن ومن كل مشنقة.. بل وتحولت جميعها إلى نظريات وقوانين وعقائد.. لا شيء منها تاه في زحمة الكوارث بل عادت جميعها روح الربيع عبقة، ريانة فواحة.. لا شيء منها فتَّ في عضده الهول الذي حاق بذويه، بل سارت في الضوء تُنادي العقول من كل صوب، وتُبدد الظلام في كل صقع، ولم يُغيب الموت أصحابها وأبطالها، بل عادوا إلى الحياة من خلال أفكارهم وكلماتهم وحققوا خلوداً لم يظفر بأثارة منه خصومهم الذين أغواهم الغرور، وظنوا أنهم قتلوا الفكر بقتل أصحابه.. والذي يبسط كفه إلى الشمس ليخنقها ويطفئها ليس أكثر حمقاً وسذاجة من الذي يحاول خنق الفكر وإطفاء نوره".