أود أن آتي باكيا لذراعيك.. لكن.. متى أعود يا أمي؟

blogs الأم

مُثقلٌ هو من الحياة أم هي من ثَقُلت به، تراه لا يقدر حملها أم هي من تلفظه، شابَ والشيب له هيبته إلا أنه لا زال ينكره، تراه لا يريد وقارَه أم أنه لا يرى منه سوى مضيَ العمر. نعم يا أمي مضى بنا العمر سريعاً كالبرق، خطفنا كلمح البصر، وبتنا يا أمي نتوجعُ من الحياة، ولا نجدك لنشكوها لكِ، ما عادت أزماتنا تحلها لمسةٌ من يديك على جبيننا، ولا تلك القبلة التي تضعيها وأنت تحتوينا ما عادت تسعفنا، وأضحينا نقول الآه كثيراً، ونُنادي يا أمي لكنك تلتزمينَ الصمت، ذاك الصمت من اختاره؟ أكان خِيارك أن تدعينا نتألم ولا نجدك، أم أننا أساساً نتألم لأننّا لا نجدك.

رأسهُ ثقيلٌ جداً لا يقدرُ أن يحمله، يُلقي به على الطاولة، بعد أن وضع تحته يده، عسى هذه الحركة تخفف ألمه، و يشرد بالعمر لحظاتٍ لا أكثر، يتساءل متى كبرتْ؟ وكيف فجأةً هكذا أضحيت؟ ألا يبدو أن الوقت مضى سريعاً، وأنا لم أصحا هذا إلا في سكراته. أشعر يا أمي أن السنين هي من مضت بي، لا أنا من سرت فيها وحملتها، ولا أنا من صنعها وقدتُ ركبها وبت كثيراً، كثيراً جداً أشبهك، عندما كنّا ننظر إليك ونراكِ كبرتِ، ونختار السكوتَ والصمت. جسدي مريضٌ مترهلٌ متعب، طول البال والصبر انقضوا من عندي منذ زمن، أُكابر وأحاول أن أخفي كل هذا، إلا أني أراهم بأعينهم ينبهوني بأني عجّزت، تماماً مثل ما كنّا معك.

أضحيت أسمعهم يذكرون تصرفاتي ويضحكوها، أَوَ لسنا من فعلنا هذا في شبابنا بالضبط، أصدقائي وأحبابي انقضوا من حولي، لم يبقَ منهم إلا القليلَ القليل، الموت عنّي وعن أحبائهم غيّبهم، ووضعهم كحالاتي، نجلس لا نتحدث إلا في الذكريات والقديم، لا نفكر بما يأتي، ولا نخطط للمستقبل القريب أو البعيد. أَتُرانا أصبحنا للعمر تلقائياً مستسلمين، وبت لا أعرف المبيت، فالنوم لا يزورني في اليوم إلا ساعات قليلة معدودة متفرقة، والأولاد عندي ليسوا حاضرين، كلهم في الغربة والِجدِّ لاهيين، لا أعرف إن كنت أنقدُ الواقع، أم ألوم نفسي على ما فعلت يوماً بك عن غير قصدٍ أو علم، لم أشعر بذاك إلا والعمر يفعل بيَّ ما فعل بكِ يوماً.

لا أريدُ سوى أن ألهو وأحفادي كطفلٍ صغيرٍ، بكل تصرفات الطفولة التي نعرفها، نعم أعودُ وأعود طفلاً باكياً بين ذراعيكِ، لكن متى أعود يا أمي؟

الحياة اليوم ترفضني وتُبعدني تماماً بذاك القدر الذي كنتُ مقبضٌ متشبثٌ بها لا أفكر بتركها، تراها تقول لي أخذت نصيبك في مضى ويزيد، ولا مجالَ اليومَ للتجديد، فالعمرُ ليس إلّا فرصة، افعل بها ما تريد ولكن لا بد من المغادرة، فكل ما عندنا ينقضي وهكذا حتى الحياة. ويا أمي باتت الأمور عليّ تجتمع، حتى آهٍ ما كنت كثيراً ألفظها في حياتك، لكن اليوم أناديك كثيراً، والأوجاع والمصائب لا تأتي إلّا دفعةً واحدة، وأنا اليوم كبرت لم يعد عندي الجَلَد للتحمل. أنا الآن لا ألوم القدر، ولكن أواسي نفسي بلوم الزمن، رغم أني لا أملك حق لومه، لكن ما عساي أن أكون فاعل؟

وتمر السنون لحظ، لا أقدر حتى على إبصارها، وأيقنت ما قلته لي وأنا في زهرة العمر، الوقت يا بنيّ يمر كلمح البصر، هكذا اعتدتِ أن تقولي لي كلما أخبرتك بفترةٍ عليَّ عسيرة. كله يمر بلمح البصر هذا ما كنتِ ترددي، وكنت أشعر ولا أشك لو أن بوسعك أن تمري بالصعب عنّي، وعليّ تخففي من أثره، لَما تأخرتِ. وها أنا أدركُ اليومَ أنَّ حياتي لم تكن إلا فترات، كلها فتراتٍ أنتظر انتهائها لأبدأ بما يلي، وعندما أبدأ، أيضاً أنتظر الانتهاء لأبدأ فيما بعد، إلى أن حان دورُ ألا أنتظر شيء، كلٌ أمامي يمر، وأنا لا أملك القدرة على الإحساس بالأشياء كما عهدت نفسي. لا أقوى على التألّم كثيراً مما يحدث، وكذلك لا أقوى على الفرح كثيراً، أضحى كلُ شيءٍ عادياً، كلُه عادي، أو أنَّ الأصحَ أني صرتُ معتاداً على مرور الأشياء.

الواضح أنني أنا من أمر بالأشياء لا هي من تفعل، فكل ما حدث معك في الماضي هو ما يحدث معي اليوم، و كل ما مررتُ أنا به يمرُ به أبنائي، و السنون لم تعد إلا عداداً فقط أمر خلاله وليس هو من يمر. فأنا لا أنتظرُ العشرين لأبدأ العمل، ولا السابعة والعشرين لأكَوّن الأسرة التي بها ولها أحلم، فقط لا أنتظر شيء. قد يكون الوحيد ما أنتظره، أولادي وأحفادي حولي كلهم مجتمعين، أعلم أنه صعب، وقد يكون ضربٌ من المستحيل، لذلك لا أحمل نفسي فوق طاقتها من ألم الانتظار، فأنا أتذكر كلما حاولتِ يا أمي جمعنا حولك، تغيّب أحدنا. وها أنا أدرك أن زهرةَ العمر بدأت بالذبول، وأنه لم يبق من العمر أكثر مما مضى، أريد أن أقضيه هادئاً ساكناً، لا يشغل بالي شيءٌ من الدنيا. يكفيها ما كسبت مني عندما أشغلتني في شبابي، لا أريدُ سوى أن ألهو وأحفادي كطفلٍ صغيرٍ، بكل تصرفات الطفولة التي نعرفها، نعم أعودُ وأعود طفلاً باكياً بين ذراعيكِ، لكن متى أعود يا أمي؟