الأكراد.. شعب يصنع الحياة

القضية الكُردية تُعَد الآن من القضايا التي تلقى اهتماماً إقليمياً ودولياً كبيراً وذلك في سياق تنافس القوى او الدول العظمى منذ بدايات العشرين وإلى الان، منذُ نشأة الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 وإلى الان فإن علاقة الأنظمة العراقية الحاكمة مع الكُرد كانت ولا زالت متوترة، لذلك قامت عدة ثورات كُردية للمطالبة بالحقوق المشروعة للكُرد في العراق، وقد شكّل سياق القضية الكُردية منذ بداياتها وحتى الان علاقة تفاعل متبادلة بين الكُرد والقوى العظمى في العالم التي لطالما استخدمت القضية الكُردية كورقة ضغط ضمن مصالحهم وكان الكُردُ دائماً الضحية في الاتفاقات الدولية التي قامت على المصالح، التاريخ الكُردي يذكر الثورات التي قام بها الكُرد على مرّ العصور ويذكرُ أيضاً السياقات الإقليمية والدولية التي كان لها تأثيراً مباشراً على هذه الثورات .

 

المُلا مصطفى البارزاني يُعتبَر القائد الابرز الذي قاد الثورات الكُردية في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي وبروز شخصيته لا ينحصر في هذه الفترة فقط وإنما هو امتدادٌ لإرثٍ عائلي ثاروا مراتٍ عديدة ضد الأنظمة الحاكمة في العراق، وبدأت المسألة الكُردية بشكل واضح بعد الحرب العالمية الأولى ووصول القوات البريطانية إلى العراق وقيام دولة عربية حديثة فيه سنة 1921، فقد ظهرت انذاك ثورة الشيخ محمود الحفيد في العشرينيات من القرن الماضي رداً على سياسات الانتداب البريطاني بمنح الكُرد حكماً ذاتياً محدوداً، وقام بإعلان مملكة كُردستان التي لم يُكتب لها البقاء طويلاً .

 

بعد سقوط نظام صدام حسين سنة 2003 تحولت كُردستان إلى أقليم كُردستان العراق وقرر الكُرد المشاركة في العراق الجديد على أساس الشراكة الوطنية، لكن حكومة بغداد كسابقاتها نقضت كل الاتفاقات بينها وبين كُردستان

بعد ذلك ظهرت ثورة الشيخ أحمد بارزاني في العشرينيات من القرن الماضي أيضاً ضد الحكم المركز في بغداد، وبعد فشل هذه الثورة أيضاً قاد الشيخ أحمد البارزاني ثورة أخرى سنة 1931 وأدى الملا مصطفى دوراً بارزاً ومهماً في هذه الثورة لكنها فشلت أيضاً، وبعد ذلك أتجه الملا مصطفى البارزاني إلى شرق كُردستان (كردستان إيران) فشارك القاضي محمد في ثورة مهاباد وقاموا بإعلان جمهورية كُردستان في الفترة 1946-1947، ولكن بعد تسعة أشهر من قيام هذه الجمهورية تقدمت القوات الإيرانية وقضت على جمهورية كردستان وأعدمت القاضي محمد وأنهت وجود الجمهورية الكُردية ولجأ الملا مصطفى بارزاني إلى الاتحاد السوفييتي السابق وبقي هناك مع جنوده البارزانيين حتى عام 1958، كان ذلك أيضا باتفاقات دولية وإقليمية بين إيران والإتحاد السوفييتي السابق والدول الغربية على حساب الشعب الكُردي .

 

وبعد ثورة عبدالكريم قاسم على النظام الملكي في العراق سنة 1958 وعد بتأسيس جمهورية ديمقراطية و ذكر في الدستور أن العرب والكُرد شركاء في الوطن و دعا الملا مصطفى البارزاني للعودة إلى الوطن ووعده بالاستجابة لمطالب الكُرد، لكن لم تُنفذ غالبية هذه الوعود في سياق تحول حكم عبدالكريم قاسم إلى حكم مطلق، ففشلت المحادثات مرة أخرى بين عبدالكريم قاسم والملا مصطفى وأدى ذلك إلى قيام ثورة سنة 1961 وامتدت حتى سنة 1970، وخلال هذه الفترة بدأ التفكيرُ بإنهاء القضية الكُردية من خلال التوصل إلى اتفاق الحكم الذاتي وكان ذلك منذ بدايات حكم حزب البعث إثر انقلاب سنة 1963 من أجل تعزيز قبضته على كافة أجنحة البلاد السياسية والاقتصادية والعسكرية والمدنية، وأدى صدام حسين انذاك دوراً بارزاً للوصول إلى اتفاق مع الحزب الديمقراطي الكُردستاني في شهر آذار سنة 1970، واستجابت هذه الاتفاقية لمعظم مطالب الكُرد لكن التطورات المحلية التي تبعت توقيع هذه الاتفاقية والتأثيرات الإقليمية والدولية لم تسمح بتحقيق هذه الغاية .

    

بعد فشل اتفاقية الحكم الذاتي تدهورت العلاقة بين بغداد والكُرد مرةً ثانية واستمرت الثورة ضد نظام الحكم في بغداد، وفي هذه الأثناء كانت هناك مباحثات بين العراق وإيران حول كيفية قمع الثورة الكُردية المعروفة بثورة أيلول العظيمة، تنازل العراق بموجب الاتفاق عن شط العرب لصالح إيران مقابل إيقاف الدعم العسكري من قبل إيران للثورة الكُردية، عرفت هذه الاتفاقية باتفاقية الجزائر 6 مارس 1975، بعد إجراء هذه الاتفاقية بين العراق وإيران تعرّض الكُرد لحملات وحشية واسعة من قبل الجيش العراقي منها حملات الأنفال السيئة الصيت وعمليات حرق القرى الكُردية والقصف الكيمياوي وعمليات الإعدام العشوائية .

 

استمر الحال كما هو عليه إلى أن قامت انتفاضة واسعة في كُردستان العراق أثناء حرب الخليج وحصل الكُردُ على الحكم الذاتي في العراق، ومنعت الأمم المتحدة الحكومة العراقية من التدخل في المحافظات الكُردية الثلاث ومنعتهم أيضا من التحليق بطائراتهم فوق سماء كُردستان، وبعد سقوط نظام صدام حسين سنة 2003 تحولت كُردستان إلى أقليم كُردستان العراق وقرر الكُرد المشاركة في العراق الجديد على أساس الشراكة الوطنية، لكن حكومة بغداد كسابقاتها نقضت كل الاتفاقات بينها وبين كُردستان ولم تطبق الدستور وخاصة الفقرات الدستورية التي تصب في صالح الكُرد وقطعت ميزانية الإقليم أيضاً، ما دفع الكرد إلى إجراء الاستفتاء سنة 2017 .

 

في النهاية يتضح لنا أن الأحداث والمواقف السياسية المتعلقة بالعراق وكُردستان كانت تتأثر تأثيراً مباشراً بالاستراتيجيات الدولية والقوى الإقليمية والدولية وكان لهذه التأثيرات دوراً بارزاً، وأن سياق الحرب الباردة قد فرض نفسه على مسيرة الحركة التحررية الكُردية سواء في دعم ثوراته أو قمعها، يتضح أيضا أن السياسات الإقليمية والدولية استخدمت القضية الكُردية أداة في توازن القوى الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط .

 

في النهاية أقول لم ولن يعم السلام في العراق دون الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الكُردي، والاقرار بحقه في تقرير مصيره، والاعتراف التام عن قناعة بأنه هنالك منطقة جغرافية اسمها كُردستان يعيش عليها الشعب الكردي الأصيل لهم لغتهم الكردية العريقة، إنهم ليسوا عرباً ولا تركاً ولا عجماً، بل قوم آري، أصحاب تاريخ وحضارة، أُمةٌ أنجبت قادة عظام وشعب جبار لابد أن تبحر سفينتهم يوماً إلى بر الأمان، ويتمكنوا من بناء دولتهم الكردية على أرض كوردستان، تحية إجلال وإكبار لكل شهداء ثورات الحركة التحررية الكُردية الذين ضحوا بدمائهم وأموالهم وكل شي في سبيل نيل الحقوق المشروعة للشعب الكُردي، الحُلمُ باقٍ والسيرُ مستمر في هذا الطريق .



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة