نحن من نذهب للحب أم هو من يأتينا؟

blogs الحب

لطالما جال في بالي هذا السؤال، هل نحن من نذهب للحب كأطفالٍ نقيين رقيقين، أم هو من يتسلل إلينا بمهاراته السحرية العجيبة، أنحن من نحتاجه، أم هو من يحتاج لرفع عداده أكثر وأكثر، وتراه يفعل بنا ما يفعل طوعاً منّا أم رغماً عنّا. ذاك الشعور الذي يُجردنا من حواسنا، ويلغي كل ما فينا، يلغينا نحن، وتتخلى عنّا ذواتنا، يجعلنا مساكين ضعفاء، والأهم أنه يجعلنا دائماً في السماء محلقين، نعيش غيرَ واقعنا، ونعيش في أزمنةً تحوينا فقط، ولا أحد سوانا. يُشعرنا أن الكون نحن، ونحن من يسكنه وحدنا، نطير سوياً، ولا نلمِسُ الأرض، تحتوينا مشاعرُ لمم نعهدها من قبل قط، والدنيا لم تكن يوم بهذا الجمال، تراه استبدل عيوننا؟!، تلك التي أصبحت لامعة وضاحكة دوما، وجعلتنا نبصر كل ما لم نبصرهُ يوماً، وكل ما أبصرنا يعتري ألواناً زاهية جميلة غير تلك التي حفظناها ماليين منها.

حتى الأشياء تتنكر لنا، كل شيء يبدو وكأننا لم نعشه سابقاً، كل شيء يكتسب طعماً ولوناً جديدين، ونقف لنكن منصفين ونضع احتمال أنّنا نحن من تنكرنا لها، وأنكرنا معرفتها، ذلك لأن الحب يُعطينا العمر الجديد، وكأننا لم نكن قبله يوماَ، نعم حديثي الولادة نصبح، كل شيءٍ عهدناه هو الآن غريب عنّا، وتشرقُ علينا شمسٌ لم نشهدها قبل، نرى خيوطها الذهبية، ونرسم بها جسوراً من حبنا، كلما أشرقت الشمس، جددنا الحب فينا، والصباح يلبس ثوباً آخر، والليل لا يبقى سواداً كما كان، الليل سمرٌ وأُنس، ولحظاتٍ تحت نور القمر. كل هذا ويزيد، فالحب يفعل بنا أكثر بكثير، ويسيطر علينا، يلغي صلاحياتنا، يجردنا من قوانا، ويجرد قوانا منا، حتى هي تنصاع له، كل الأمور في الحب تُوكَلُ للقلب، وكلٌ بيد القلب.

إلهي أيعقل أن الحب من يفعل بنا كل هذا، أين نحن من الموضوع، فقط نحن المفعول به؟!، والمعروف أننا نحن من نحب، أي أننا أصل الفعل، ذاك ما يدفعنا لبرهان حقيقة كل قصة حب بدأت بمشكلة، وكل قصة حب جرت بمحض الصدفة، أي أن الحب هو من يحتلنا، وهو من يجتاحنا بكل ما أوتي من حكمة وقوة، يتمكن منا، وتضعف أمامه حصوننا، تتردم أبراجنا العاجية، ونستسلم له بكامل إراداتنا، أو لأنه سلب إرادتنا أولاً، فلم يبقى لإرادتنا حولٌ ولا قوة، فيدفعنا لما هو أصعب أننا نُسلمه أنفسنا، ومفاتيحَ قلوبنا وعقولنا، لا يبقى لنا منهما إلا الأثر، ذلك الأثر الصغير الذي سرعان ما نتناساه، ونضحي نسير في مركب الحب الوردي بكل انسيابٍ واطمئنان.

الحب رحلةٌ نُسلم أنفسنا لبحرها الغدار، ونحن نعلم أنه غدّار، لكن لحظة انطلاق الرحلة نغفل ذالك، ولا نصحو أنفسنا إلّا والموج الهائج يرمي بنا يميناً ويساراً

ونجري في عرض بحره إلى أن يحصل ما لم يكن بالحسبان، فتهب بنا العواصف، ويرتفع الموج الذي اعتدناه هادئاً وظننا أنه هكذا يبقى، هذا لم نتوقع أننا سنواجهها في يومٍ من الأيام، ونحن نسير في نسيم الحب الجميل، وخدش قلبنا خدشاً صَعبٌ جداً على الزمن ترميمه، ساعتها نستدعي العقل، ونعطل أعمال القلب، ونقصيه جانباً، نلومه على ما فعلنا بأنفسنا، ونحقد عليه بعدما كان هو الأساس، هو من أشعرنا بكل الجمال، وهو من رمم ذواتنا، وردَّ إلينا روحنا من جديد، ناسين أننا نحن من ركب ركبه، غير مرغمين، لكنّا كنّا غير مدركين إلى أين سائرين، لم نسأل الربان عن وجهة رحلتنا قبل المسير.

فالحب رحلةٌ نُسلم أنفسنا لبحرها الغدار، ونحن نعلم أنه غدّار، لكن لحظة انطلاق الرحلة نغفل ذالك، ولا نصحو أنفسنا إلّا والموج الهائج يرمي بنا يميناً ويساراً، لا نعلم أين ستحط بنا الأمور، تذكرنا ذلك، واستدعينا فلبنا غاضبين، وتساءلنا عن غيابه وعاتبناه، ناسين أننا نحن من أقصاه، واليوم وفي عرض البحر إما أن نصل سالمين ونخرج من حرب الموج متصالحين مع عقولنا وقلوبنا، وإما أن نصل ونحن في خصامٍ كاملٍ مع قلوبنا، وقد لا نصل، أوليس من الحب ما قتل. ويُحتمل أن تكون تلك العاصفة ليست إلا زوبعة في فنجان، فقد تكون ذنبٌ يُغفر، أو زلةٌ تُنسى، وتعود الحديقة وردية كما كانت، وإن ذبلت أزهارها أياماً، الحبُ يكفل إعادة إنعاشها، وتعود زاهية أكثر مما كانت.

وإلى الآن تبقى فينا الحيرة، أنحن من نختار الحب أم هو من يختارنا؟، إني أرى أن الحب من يختارنا، لكننا نحن من نملك التحكم فيه، علينا ألّا ننهل منه حتى السُكْر، ذاك لأنه سيرمي بنا خارجاً سكارى، على أرصفة الطرقات تحت الشمس الحارقة، وفي برد الشتاء، للكلاب المسعورة الضالة، بعد أن كان قصرنا العاجي، وعصانا السحري للسعادة، يُضحي لا مصدر لعذابنا سواه. لا بد للقلب إلّا أن يهوى ويميل، والهوى مرضٌ صعيب، وهو ذاته الشعور الجميل، علينا أن نبقى منه حذرين، لا نستسلم له فور دق أبوابنا، ولا نخرج إليه تاركين عقلنا في المنزل.