شعار قسم مدونات

تجربة غزة.. كيف غطى السلاح عورات السياسة؟

blogs المقاومة الفلسطينية

قد أخطأ السياسيون عندما رفضوا المزاوجة بين المقاومة والنهج السياسي، خوفًا من مصطلح "الإرهاب"، الذي غزى العالم بعد أحداث 11 سبتمبر الشهيرة في الولايات المتحدة، مع العلم أن المصطلح يختلف كليًا عن واقع الشعوب الواقعة تحت ظُلم وقسوة وجرائم الاحتلال. السياسة والمقاومة كلٌ منهما يُكمل الآخر ويدعمه في طريق تحرير الأرض المحتلة؛ المقاومة بحاجة لرجال السياسة كي تجني ثمار معاركها وتضحيات رجالها في الميدان والسياسة بحاجة لورقة قوية كالمقاومة تفاوض بها وتكن لها سندًا على طاولة المفاوضات وفي المجتمع الدولي.

ومن الجدير بالذكر أن مقاومة الاحتلال بكافة أشكالها؛ المسلحة والسلمية، حق مشروع كفلته القرارات والقوانين الدولية لكل شعب وقت تحت نير الاحتلال.. وقد مارست الشعوب ذلك الحق وحررت نفسها من الاحتلال واستقلت بقرارها ومقدراتها وثرواتها دون أي تدخل في شؤونها. قاومت الجزائر الاستعمار الفرنسي وقدمت مليون شهيد في طريق استقلالها، وقاومت جنوب إفريقيا النظام العنصري في بلادها ونالت حريتها من الاستعباد وحررت مواطنيها من ظلم ذاك النظام.

منذ أن وقعت فلسطين المحتلة تحت الانتداب البريطاني، بسبب ضعف الدولة العثمانية وتقسيم الاستعمار الغربي للوطن العربي، عرفت فلسطين المقاومة بشقيها؛ المسلح والسلمي، وحاربت بريطانيا العظمى الشعب ومقاومته بذات الطرق التي يُحاربنا بها الاحتلال "الإسرائيلي" اليوم.. تحررت فلسطين ليوم واحد وغزتها العصابات الصهيونية وسعت عبر المجازر وما رافقها من ترهيب وتهجير (ترانسفير) لتكوين كيان لها على أرض فلسطين التاريخية، لتطال فيما بعد أجزاء أخرى من الدول العربية المجاورة، لا سيما سورية ولبنان والأردن ومصر.

"المتساقطون" على طريق المقاومة اليوم كانوا قبل ذلك يعيشون في سلام وأمان، وما زالوا، بينما يعيش رجال المقاومة حاملين أرواحهم على أكفهم مرابطين على ثغور الوطن يتربصون العدو ليثخنوا به الجراح

وأطلق في بادئ الأمر مصطلح "الصراع العربي- الإسرائيلي" على ما يحدث من احتلال واستيطان في فلسطين (…) إلى أن بدأ العرب نظامًا تلو الآخر بالتخلي عن فلسطين وحصر تحريرها وخلاصها من الاحتلال بالفلسطينيين وحدهم؛ خاصة بعد توقيع اتفاقيات ومعاهدات السلام بين مصر تل أبيب والأردن، ومن ثم لحق بركبهم منظمة التحرير الفلسطينية التي "خرجت من المولد بدون حُمُّص" لا سيما بعد النتائج الواقعية على الأرض والتي جنى ثمار خرابها الشعب وأرضه ومقدساته وممتلكاته.

وفي الحروب، عامة، تَسْقُطُ دول وحكومات وقيادات أيضًا، وفي معارك المقاومة الفلسطينية بمختلف أوقاتها وفتراتها، سقطت وأُسقِطت شخصيات كانت تدعي الوطنية وترقص على نغمات الدفاع عن الوطن، وهي (تلك الشخصيات) لم ترَ من الوطن سوى ما تنعم به من امتيازات ونثريات ومقدرات أُخذت من مستحقات الشعب الفلسطيني المقاوم واستغلت في غير مكانها، وصرفت على شخصيات كانت تهاجم المقاومة في كل فرصة تتاح لها وفي كل "طلة بهية" لها على وسائل الإعلام المختلفة، طالبة بذلك رضى الاحتلال وواشنطن، ولكي تحصل على تسهيلات هنا وأخرى هناك وتستجدي عطف محتل يستعملها لفترة ومن ثم تصبح بالنسبة له لا شيء بعد أن تكون قد أنجزت مهمتها، تلك الشخصيات وبعد صولات وجولات لها في ذمّ وقدح المقاومة جاء قدرها وأُسقطت بفعل أول جولة صغيرة للمقاومة.

فـ "المتساقطون" على طريق المقاومة اليوم كانوا قبل ذلك يعيشون في سلام وأمان، وما زالوا، بينما يعيش رجال المقاومة حاملين أرواحهم على أكفهم مرابطين على ثغور الوطن يتربصون العدو ليثخنوا به الجراح.. يا أولئك إن للمقاومة صولات وجولات أهمها داخلية وأكثرها في ميادين القتال تنجز أهدافًا ما استطاعت سني مفاوضاتكم العبثية أن تحقق عشرًا في المائة منها. فبينما طًرد الاحتلال من قطاع غزة عام 2005 وأجبر على ترك مستوطناته بعد أن كان الهالك أرئيل شارون يقول إن مستوطنات قطاع غزة لديه كما تل أبيب، ارتفع عدد المستوطنات في الضفة الغربية والقدس المحتلتين 300 في المائة.

فعلى مدار سنوات طويلة فاوضت منظمة التحرير، الاحتلال وفي كل جولة من مفاوضات التسوية السياسية كانت النتائج وخيمة على أرض المقاومة والإنجازات البطولية، قطاع غزة، ومزيدًا من الانتهاكات والاعتداءات على أرض حضنت المقاومة وأخفت في ثنايا ترابها حكايا وقصص للمقاومة والبطولة، الضفة الغربية، وزيادة على ذلك كان الاحتلال يمعن في تهويد مدينة القدس المحتلة ومقدساتها وكل شيء فيها.

الشجرة المثمرة ترمى بالحجارة دومًا، وكذلك هي المقاومة اليوم، لولا أنها تثمر في كل جولة أمام العدو الصهيوني، وتقوي من الجبهات المناوئة للاحتلال، لما رُميت ورجالاتها صباح مساء بالحجارة
الشجرة المثمرة ترمى بالحجارة دومًا، وكذلك هي المقاومة اليوم، لولا أنها تثمر في كل جولة أمام العدو الصهيوني، وتقوي من الجبهات المناوئة للاحتلال، لما رُميت ورجالاتها صباح مساء بالحجارة
 

ولكن اليوم، المقاومة المسلحة فرضت المعادلة وأجبرت الاحتلال في مختلف جولاتها على "ترجي ومناجاة" الدول العربية والغربية للتدخل وانقاذها من صولات المقاومة؛ لا سيما حرب 2014 على غزة. المقاومة يا من سقطتم في جولاتها كلها، هي من أوجدت لكم كيانًا وجسمًا تنهشونه بغير حق وتأخذون على حساب تضحيات رجالاتها امتيازات ما حلم بها أجدادكم، وليس ذلك المشروع الذي أقل ما يقال فيه إنه مخلوق جاء إلى الحياة ويحمل معه تشوهات لا يمكن معها استمرار الحياة ولا يمكن له أن يستمر.. فضربات المقاومة وتضحيات رجالها تكشف في كل مرة مدى تنازلكم عن فلسطين لصالح الاحتلال.

نموذج آخر معادٍ للمقاومة ويقدم نفسه بقوة، لكن هذه المرة على الساحة العربية، الإعلام الرسمي والآخر المُطبل للأنظمة المُستبدة، والذي لا يستضيف سوى الشخصية سيئة الصيت والسمعة والقول.. تلك الشخصية التي عرفت بعدائها الشرس لكل ما هو وطني وللمقاومة الفلسطينية.. يحرض على قتل الفلسطينيين ويتهمهم مرارًا وتكرارًا بأنهم يقفون خلف كل الأحداث، يتحدث وكأنه يهودي أو ابن يهودية.. يطلق العنان في كل مناسبة تتاح له للسانه ليبث سمومًا لو أتيح للبشر أن يسمعوا الشيطان وهو يوسوس لابن آدم ما خرج عنه مثل ذلك التحريض.

تعلمنا من صغرنا أن الشجرة المثمرة ترمى بالحجارة دومًا، وكذلك هي المقاومة اليوم، لولا أنها تثمر في كل جولة أمام العدو الصهيوني، وتقوي من الجبهات المناوئة للاحتلال، لما رُميت ورجالاتها صباح مساء بالحجارة وأحيكت لها وضدها المؤامرات.. واعلموا أن الزبد يذهب ويبقى ما ينفع الناس في الأرض.. والنصر ينبت حيث يرويه الدمُ، وقطاع غزة وطرد الاحتلال منه وتحرره على أيدي رجال المقاومة هو خير دليل على أن المقاومة هي السبيل الوحيد للحياة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.