شعار قسم مدونات

عندما تكون المصائب سببا لفصاحة الإنسان!

لو سألتني عن أكثر من قابلت فصاحةً وفِهمًا للحياة، لحدثتك عن هذا الصبي الذي صادفته يومًا في شارع مُكتظّ بالسيارات والمشاة في ظهر يومٍ مُحتدم، تتربع على رأسه قُبعة أتلفتها حرارة الشمس وخلقت بها الثقوب، كان طفل لكنه في نظري حتى لو لم يخطّ شاربه إلا أنه يحمل رجولة تفوق كثير من الشوارب الكثيفة. طفل له ستة عشر عامًا لكنه يواجه تحديات تهدّ كاهل رجل في الثلاثينيات، كان يمر بين السيارات التي تسير بسرعة فائقة غير عابئ بسرعتها يبيع البالونات، نسيت أن أُخبرك أن اليوم كان عيدًا لنا بالطبع وليس له إنما هو كان يراه مُناسبة جيدة لجلب المال.

استوقفتني ملامحه التي تشي بسن أكبر من سنه، سألته عن سعر الواحدة ثم ابتعت منه ثلاثة ثم أعطيتهم إياها ظنًا مني أنه هكذا سينتشي الطفل المُختبئ بداخله، فقد قرأت ذات يومٍ أن حتى بائعة الورد تبتهج إذا أهداها أحدهم وردة. ولكن لم يفلح الأمر مع فتى البالونات، فقد ابتسم ابتسامة باردة مُجاملة ثم وضع البالونات الثلاثة مع كومة البالونات الأخرى التي يحمل، هذا بعدما تفقدني طبعًا وعرف أني رحلت حتى لا يُحرجني، كنت أراقبه من بعيد وأنتظر أن أحكي لأصدقائي عن فرحته العارمة تجاه ما فعلت، أو أن أذهب فأحكيها على حسابي وتنهال على التعليقات الحسنة لكن هذا لم يحدث.

عدت إليه سألته عن سر فعلته فأخبرني أنه للطف مني أن أعطيه المال بطريقة تحفظ ماء وجهه، بطريقة توحي لي وله أنه ليس شحاذًا بالرغم من أنّ كلانا يقرّ في نفسه أنه بهذه الطريقة مُتسولًا، أخبرته حسن نيتي وأني لم أقصد إطلاقًا أذيته بل بالعكس تمامًا كل ما أردته أن أُبهجه. أخبرني أنّ الكل يُفسِّر ويرى أفعال من أمامه بعينه ليس بعين من فعلها، وعينِهِ تكسوها حساسية مُفرطة جعلته يرى ما فعلته إهانة وأنهم يتمتعون بقدر هائل من الحساسية ليس كما نراهم جمادات – هكذا قال -، وأن العوز والفاقة الشديدة هي التي أحالتهم لهذا الحال وإنما لا أحد على الإطلاق يطيق أن يقف هكذا يتلقى المال بوجهٍ جامد مُتقزز. ناهيك عن كم الإهانات التي يتلقاها والتي تصدر أحيانًا ممن في نفس سنّهِ. كان صغيرًا جدًا تخرج من فمه فلسفات ومشاعر كبيرة جدًا.

أن تحاول تمهيد كل الطرق التي يسير فيها طفلك بدعوى أنك هكذا تفيده، فأنت هكذا تقترف في حقه ذنبًا هائلًا دون أن تدرك، وأنه سيصطدم صدمة عظيمة مع أول اكتشافاته أن الحياة تحوي مطبات..

تذكرت ما كنت أفعل وأنا في مثل سنهِ وكيف كنت أستشيط غضبًا على أبواي حين يطفأ لي التلفاز في موعد كونان، وكيف كانت أكبر عواطفي هياجًا وأكثرها إيلامًا لي حتى لم أكن أستوعبها حينها فتاة الكبريت التي كان يأكلها البرد دون أن يساعدها أحد أو يبتاع منها، ها هو ولكن هذه المرة فتى البالونات أراه بعيني ليس مسلسلًا كرتونيًا فحسب ولكن في الواقع أكثر ألمًا. أخبرني لا أعلم إن كان يخدعني ويستجدي عواطفي نحوه أم كان صادقاً فعلًا، ولكن الاحتمال الثاني الأكثر ترجيحًا خاصة أنه رفض المال الذي عرضته عليه، أخبرني أن أباه مات بعد ولادة أخته الصغيرة بسنواتٍ قليلة وأنه هو من يجلب لأمه التي أنحل الفقر والعوز جسدها فلم تقوى لأن تعمل. وأنّ المرض قد نال نصيبه منها، فهو يعول أمه ومرضها وأخته وتعليمها وهمّ سترها والحفاظ عليها كي لا تُكابد ما كابده وهمّ برد الشتاء كذلك.

أخبرني أيضًا أنه يحاول قدر الإمكان أن يتعلم فهو يجيد القراءة وبارعًا في الحساب ويواظب على حضور مدرسته ثم بعد الظهر يأتي إلى هنا. هذا الطفل أثر بي جدًا فكيف لمجرد طفل أن يكون أبًا وعائلًا ورجلًا، أن يكون كل شيء سوى ما يجب أن يكون، مؤكد أنه لم تكن لتُبهجه بضع بالونات، لا أعلم إلى أي حالٍ أحالته الدنيا ولا إلى أيّ أرضٍ قذفت به. إلا أني أتوقع أو هكذا آمل أن يكون له شأن عظيم رُبما لو ليس في نظر الناس ولا المجتمع رُبما في نظر نفسه سيكون قانعًا راضيًا عنها، ربما تصالحه الحياة بعد خِصامٍ طويل.

لا أتحدث أن هذا الطفل نشأ نشأةً صحيحة أو هكذا يجب أن نربي أولادنا على العكس تمامًا، هذا ظلمه وطنه ومنعه من أبسط حقوقه، ولكن أُخبرك أنه لولا المصاعب التي كابدها لما نال كل هذه الفصاحة والرؤية الناضجة للحياة. في البرنامج الشهير “tedex talk“ أغلب المتحدثين الذين يُلقوا بخِبراتهم تكن دائمًا هناك نُقطة تحول، عندها لم يعودوا كما كانوا، زلزلت كيانهم وغالبًا ما تكون نُقطة صعبة شديدة أهمّتهم طويلًا وعانو منها كثيرًا ولكنها على كل حال هي ما أوصلتهم لهذا المكان وجعلت منهم أشخاص تنويرية محط أنظار المجتمع. أن تحاول تمهيد كل الطرق التي يسير فيها طفلك بدعوى أنك هكذا تفيده فأنت هكذا تقترف في حقه ذنبًا هائلًا دون أن تدرك، وأنه سيصطدم صدمة عظيمة مع أول اكتشافاته أن الحياة تحوي مطبات وأنها ليست ممهدة كما سولت له.

مهما حاولت أن تسقيه عصارة خِبراتك في الحياة والمصاعب التي قابلتها وكيف أثرت فيك سيظل كلامًا هائمًا سرعان ما يذهب من رأسه، ليس يؤثر في المرء كالمعارك التي يخوضها بنفسه والآلام التي يتجرعها هو بذاته، ذلك ما ينحت شخصيته ويرسخ في نفسه، لذا قال الشاعر تنيسون على لسان البطل الأسطوري يوليسيز "أنا جزء مِن كل ما صادفني". الفطن من يُلقي بفتاه في قلب المعركة دون رهبة وخوف من أن تبتلعه هنا يكن أسدى له جميل رائع، وأورثه أنياب مُبكرة يستطيع أن يُفارس بها في معارك الحياة التي تصبح أشرس كلما توغل في الحياة أكثر. بالنهاية نحن يا صديقي نكبر بكبر المعارك التي نخوض ليس للعمر دخلٌ في هذا.