شعار قسم مدونات

عندما التقيت بالغرباء وأحببت حياتي!

يقول دوستفسكي في قصته (الليالي البيضاء):

"نكتشف في النهاية أن البوح ليس سهلاً للمقرّبين كما يصوره الآخرون، بل صعب جداً، والبوح للغرباء متعة وراحة وأمان، لأن كل ما ستقوله سيذهب معهم حيث يذهبون، ولن يفهموا سوى ما تريد، سيقفون بجانبك، سيدعمونك، يضحكون ويبكون معك، لأنهم لا يعرفون أحداً من الحكاية كلها إلا أنت.. فأنت بطلهم.."

من هذا النص أنطلق إلى الحديث عن الغرباء الذين نصادفهم دون سابق إنذار ويكونوا على هيئة نجوم ومعجزات تأتي في منتصف الليالي الباردة ليكونوا هم الدفء الذي يباغتك في صمتك وعزلتك التي لا يوجد فيها أحد. ونقرر أن نبوح لهم بكل شيء دون أن ننتظر منهم قبول ذلك.

 

ذلك النور الذي يخرج من هؤلاء بصدق ويمنحك الأمان الذي لطالما حاربت في هذه الحياة للوصول إليه لا يمكن وصفه، هي ليلةُ ليست ككل الليالي فقد كان الصمت هو ملك المكان ذلك الصمت الذي يوحي بقدوم شيء عظيم وكبير يملأ المكان فرحاً وحباً وسعادة لا تنضب، فقد دخلت الغريبة لهذا المكان وجلست ونظرت في روحها وشّكلت دائرة حولها مليئة بالطاقة الجميلة المنبعثة منها  وكانت هذه اللحظة كفيلة بملئ المكان الصامت بالحب والسعادة والأمل ليس لأنها الأجمل وليس لأنها الأعمق بل لأنها الأصدق والأنقى كانت عيونها مليئة بالفرح وكذلك متعبة من تراكمات السنين التي جعلتها تُضحي بالكثير الكثير رغماً عنها فقط لأن هناك من يستحقون التضحية في حياتها.

 

قررت الانعزال والابتعاد عن حوارات هذا المجتمع المزيف لتبحث عن ذاتها وتقوم بعمل ما يحلوا لها بعيداً عن أعين الناس المليئة بالفضول والكذب، قررت أن تكون شجاعة بالكفاح والصمود ضد عثرات كثيرة تعرضت لها في هذه الحياة سواءٌ من أقرب الناس إليها أو من أصدقاء غادرين لم يصونوا العهد أبداً، أو حتى من حوادث إلهية مرّت بها.

 

لا تشبه تلك الغريبة التي كانت بلا أي قناعٍ تلبسه أو تصنع تتقنه أو نفاق يسري معها فقد كانت كما هي بعيونٍ واسعة ووجهٍ نقي يملأنا بالصدق عندما نراه

تلك الغريبة التي تخبئ خلف ضحكتها الكثير من الألم ما هي إلا ذلك الملاك الذي يجلس على كتفي الأيمن طارت من كتفي ودخلت لتملأ المكان نوراً يُشع بالمحبة والرقي والأمان وعادت إلى كتفي دوم أن أشعر، هي تلك الغيمة التي ننتظرها عند بداية الشتاء لتملأ المكان قطرات من المطر الذي يُحيي الزرع والبشر ويجعلنا نشعر بالسعادة عندما تُطيل الوقوف في السماء لتملأها حياة على الأرض. تلك الليلة التي كانت من أجمل الليالي الباردة في سماء المدينة النائمة تُشبه ما قاله دوستفسكي أيضاً من وصف عميق:

"إن الحياة هبة، ومن الممكن أن نجعل من كل دقيقة منها عصراً طويلاً من السعادة، الآن حياتي ستتغير الآن سأولد من جديد"

 

فهي كانت هبة السماء التي أرسلها الله لتملأ كل ما حولها جمالاً يفوق الجمال نفسه وبرغم كل الدموع الراكدة في عينيها ستكون هي الأقوى والأجمل والأعمق في هذه الحياة فهي لا تستحق سوى الشيء الجميل الذي يُشعل بداخلها السعادة ويمنحها الأمان، لا تستحق سوى باقات الورد لتملأ حياتها عبقاً، كل يومٍ سأتحدث إلى السماء لأقول لها أيتها السماء هناك غيمة ستكون ملاصقة لكِ فأجعلي لها حيزاً من المطر الذي يغرقنا في الحب لتكون هي طوق النجاة كسفينة نوح.

 

ولن تكون هي سوى سفينة نوح التي تحملنا إلى عالمها العميق والغامض والمتعب وعندما نقترب من عالمها وعمقها سنكون دوماً بجانبهم ليس مجرد حضور وإنما لنصنع شيئاً من السعادة التي تجعلها تتنفس الحياة والابتسامة كل يوم فهي دفئ الشمس في نهاية الشتاء ووردة الربيع في عنفوان الورد وورقة الخريف التي لا تسقط وقطرات الندى في فصل الشتاء. هذه هي الغريبة التي أنارت ليلة من ليالي الصيف الباردة في المدينة النائمة تلك المدينة التي تصحوا على لباس الأقنعة والتصنع والتزييف. لا تشبه تلك الغريبة التي كانت بلا أي قناعٍ تلبسه أو تصنع تتقنه أو نفاق يسري معها فقد كانت كما هي بعيونٍ واسعة ووجهٍ نقي يملأنا بالصدق عندما نراه.