شعار قسم مدونات

خاشقجي العراقي.. هكذا تغتال فتاوى السعودية أقلامنا يوميا

اختفى الصحفي السعودي جمال خاشقجي أو قُتِل، روايتان متداولتان على مستوى العالم، تصارع أحداهما الأخرى دون أي نتيجة تذكر، وما بينهما صراع سعودي تركي في القاء اللوم على الأخر، لكن لا فرق بين الاختفاء والقتل فالرجل ليس هو المستهدف بعينه رغم ثقل آرائه على سلطات بلاده، إنما حرية التفكير والتعبير هي الضحية، لا تفكر خارج إطار السلطة وإلا يقطع رأسك، حتى وإن كنت متشبثا بكعبة الديمقراطية "أمريكا".

لمن لا يعرف خاشقجي فهو الصحفي الذي يكتب خارج الإطار التقليدي، يحاول كسر الأنماط الجامدة في أدمغة الناس، ورغم حجزه مكانا مميزا داخل أروقة السلطة ودهاليزها المظلمة، كان كثيرا ما يكتب عن أخطاء السلطة ذاتها ويدعو لكشف الزوايا المظلمة أمام الناس ليروا ما يحدث، وهي مفارقة معقدة وتحتاج إلى تفكير وتحليل دقيق لسلوك هذا الرجل، لذلك يُتَهَم دائما من داخل السعودية وخارجها، أعداء السلطة وأصدقائها يتهمونه بالانحياز لمعسكر ما، أنه يعيش حالة الاغتراب داخل وطنه، كما يعيش نفس الحياة خارجه. من بين أخطر ما كتبه خاشقجي تلك المقالة التي امتحدح فيها المرجع الشيعي اية الله السيد علي السيستاني عام 2005 ودعا فيها إلى منح السيستاني جائزة خدمة الإسلام "لتحريمه الاقتتال الطائفي"، ونشر مقاله في جريدة الوطن، وأعاد نشر رابط المقال عام 2014 عبر صفحته على "تويتر".

من حسن حظه لم يكن تويتر موجودا عام 2005 لذلك لم تنتشر المقالة الا بين الأوساط الثقافية وقراء الصحف، لكن من سوء حظه أن هناك من ينبش في كتاباته ويعيدها بطريقة مجتزأة، اتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي بأنه يتدخل في أمور لا تخصه، وهناك من اتهمه بالولاء لإيران أو للشيعة، وجمعت كل العبارات السيئة ضده لأن هناك من اقتطع جزءا من كلامه وقدمه على أنه الكل. وعلى ذات الخط استمر خاشقجي، مؤيدا لسياسة بلاده تارة ومنتقدا لها تارة أخرى، فهو إذ يؤيد الحرب ضد اليمن في بدايتها يطالب بوقفها بعد أن شعر بخطورة الحرب.

خاشقجي العراقي
لأنك تخالف آراء السلطة السعودية يجب أن تنفى إلى خارج البلاد، ولأنك عراقي فيجب تصنيفك حسب طائفتك، يجب أن تحب صدام الذي يشبه محمد بن سلمان في إجرامه

في الخارج يعاني هذا الصحفي من انحيازه لبلاده، فهو يدافع عن سياستها الخارجية في الكثير من الأحيان، وينتقدها أيضا، لكن قصابية الحقيقة تقوم باقتطاع ما يحلو لها ويخدم أيدلوجياتها، عندما يريدون أن يتهمونه بالولاء المطلق للسلطات يجمعون المقالات التي يمتدح بعض مشاريعها وحروبها، وعندما يريدون أن يبرزوا حجم الخلاف داخل السعودية يجمعون مقالاته التي ينتقد سياسة بلاده ويدعوها لإيقاف حروبها الخارجية، يمزقون لوحة الحقيقة لإشباع شعبويتهم وشعبوية المجتمع.

في البلدان العربية يوجد ألف ألف خاشقجي، وفي بلد مثل العراق يولد عشرات الالاف من أمثال خاشقجي، نحن نعاني من ضغوط مضاعفة، فالاحتقان السياسي الذي يستقي مصطلحاته من الطائفية يقطع حلقات التواصل مع العالم العربي، يتهموننا بكل الكلمات الجارحة كما فعلت سلطات السعودية مع مواطنهم الصحفي، ينعتوننا بالولاء لهذه الدولة أو تلك لأننا نعاني. فقط لأننا نعاني من السياسات العربية الخاطئة. في بيت الله الحرام تكال لنا الشتائم بينما نحن نرفع الصوت عاليا بضرورة وقف التشنج الطائفي فنُصفَع بفتوى أكبر منها كلها تاتي من دولة جارة شقيقة بالجغرافيا والقومية والدين. كم كانت جائرة وكان العرب أكثر جورا عندما حرموا علينا انتقاد سياستها الخاطئة تجاهنا.

اعتقال العقل

لأنك تخالف آراء السلطة السعودية يجب أن تنفى إلى خارج البلاد، ولأنك عراقي فيجب تصنيفك حسب طائفتك، يجب أن تحب صدام الذي يشبه محمد بن سلمان في إجرامه، عليك التصفيق له في كل جملة تقولها، وتلعن كل أعدائه السابقين واللاحقين، حتى وإن كان صدام قد وضع أهلك وجيرانك في سجون تصبح معها معتقلات محمد بن سلمان قصورا عظيمة، يجب أن تعبث بأمن العراق وتساهم في تدمير العملية السياسية فقط لأن السعودية لا تحب حكومة بلادك التي صنعها نظام ديمقراطي لا يزال في سن المراهقة.

لا حاجة لنعي خاشقجي رغم ما يستحقه من الإشادة، وما يمثله رحيله من خسارة للصحافة العربية والعالمية، فهناك من دافع عنه حتى وطالب بحقه، ليس كما نحن في العراق، كنا نذبح يوميا طوال عقد ونصف من الزمن بفتاوى تأتي من السعودية ولا يسمح لنا بانتقادها حتى لا نتهم بخيانة العروبة. أي جريمة تحدث في السعودية أو أي مكان أخر هي نتاج إصدار حكم لا يستند إلى المنطق، فالمجرم ينصب نفسه قاضيا وجلادا، من هنا تبدأ عجلة الفوضى بالدوران، وتسحق كل الصغار الذي يقفون أمامها، صغار مثل المواطن العراقي الذي لم يكن يملك وسائل إعلام تدافع عنه، ولا صحافة غربية أو أي جماعة لها نفوذ.

 يتضاءل دور العقل ويفقد قيمته، فيتم تسليم رقاب الناس إلى طبقة من الساسة ورجال الدين الذين يحملون مشاعر الناس في حقائبهم وعمائمهم، يبحثون عن مناطق لإثارة الصراعات هنا أو هناك، وبدون هذا لا يستطيعون الاستمرار
 يتضاءل دور العقل ويفقد قيمته، فيتم تسليم رقاب الناس إلى طبقة من الساسة ورجال الدين الذين يحملون مشاعر الناس في حقائبهم وعمائمهم، يبحثون عن مناطق لإثارة الصراعات هنا أو هناك، وبدون هذا لا يستطيعون الاستمرار
 
صلاة القَتَلة

"الموت المجاني" الذي يصيب أي دولة هو نتاج عملية طويلة أخر مراحلها "فعل القتل" الذي نستنكره فقط، أول خطوة نحو تشغيل ألة القتل هو تغييب الرأي الأخر، واختزال السلطة بيد الأمير أو قمع المختلف عبر وسائل التحريك الفكري، فكل القوانين السماوية والأرضية جاءت لتنتشل الناس من الأوهام حتى لا ينجرفوا نحو الظلم والاستبداد، لكن التسامح بقمع فكر الأخر يجعل السلطات تترسب بيد الأمير فيصبح القتل عنده صلاة يومية.

في كل تلك الفوضى يتضاءل دور العقل ويفقد قيمته، فيتم تسليم رقاب الناس إلى طبقة من الساسة ورجال الدين الذين يحملون مشاعر الناس في حقائبهم وعمائمهم، يبحثون عن مناطق لإثارة الصراعات هنا أو هناك، وبدون هذا لا يستطيعون الاستمرار. ما عانى منه خاشقجي يعاني منه كل شخص يحترم عقله ويفكر ويحلل الأحداث لكي يسلك المسار الصحيح بغض النظر عمن يقف أمامه، فهو يقول ما يراه مناسبا، يمتدح سلطات بلاده حين يراها تفعل الصواب، وينتقدها حين تنتهج سياسة تهدد البلاد، يدعو لمنح جوائز السلام لمرجع دين يختلف معه في سنوات الاحتقان الطائفي لأنه وجد فيه رجل السلام الحقيقي بغض النظر عن طائفته، لكن من يسلك هذا المسار يجد نفسه مختفيا في قنصلية بلاده أو مدانا عبر وسائل إعلام اعتادت الترويج لفكرة العبد والأمير.