شعار قسم مدونات

باكون حول خاشقجي.. فماذا بعد؟

(لم يكن أمريكيا) هكذا جاءت إجابة الرئيس الامريكي على سؤال وجهه له أحد الصحفيين (لماذا لم تنبه أجهزة المخابرات الأمريكية الصحفي السعودي بالمخاطر المحدقة به؟). الإجابة صادمة بكل المعايير ففي حقيقتها أنها مخالفة للدستور الأمريكي الذي يلزم الإدارة الأمريكية بتجنيب الأفراد مخاطر من شأنها أن تؤذيهم حتى ولو لم يكونوا أمريكيين. لم تلبث هذه النبرة إلا ساعات ثم تغيرت للهجة متوعدة النظام السعودي في حال إثبات تورطه في مقتل خاشقجي بعقوبات شديدة ويطير وزير الخارجية الأمريكي لبحث الأمر.

توقيت تغير الموقف الأمريكي له دلالات.. فبعد الإفراج عن القس الأمريكي من السجون التركية وكذلك التباطؤ التركي في حسم الاتهام مع التنويه الدائم بوجود أدلة دامغة ثم بعد أيام تبدلت إلى التواصل مع المملكة لمعرفة حقيقة الأمر. الأمر إذاً تعدى التحقيق الجنائي إلى تناول سياسي فيه مصالح دولية وشخصية حتى لو كانت الضحية بوزن صحفي وكاتب معروف مثل جمال خاشقجي. هناك انتخابات أمريكية الشهر المقبل يرصدها الجمهوريون ويحتاج الرئيس ترمب تحقيق مكاسب سياسية وهناك حرب الليرة والدولار وهناك ملفات لتسوية سورية ومتبقيات الانقلاب الفاشل بتركيا وغيرها من أمور تنتظر مراجعات سياسية جاء اختفاء خاشقجي أو شئت قتله فرصة رائعة للتقريب بين وجهات النظر.

إذن علي أرض الواقع لابد أن ندرك أننا نعيش العالم الرمادي أو الهلامي بتعبير أدق. أغلب قادته يغمضون أعينهم عن أشياء قبيحة في زمن ويفتحونها تارة أخري في زمن آخر وقلما تجد من يدور مع الحق أينما دار غير أنهم موجودون مغمورون. أما الضمير العالمي فهو من المرادفات التي ينبغي أن نعطيه أهمية متوازنة فهو الحاضر الغائب لأن هذا الضمير تحركه أفعال الشعوب على الأرض وليست كلمات مكتوبة أو خطب منشودة.

لابد أن ندرك أننا نعيش العالم الرمادي أو الهلامي بتعبير أدق. أغلب قادته يغمضون أعينهم عن أشياء قبيحة في زمن ويفتحونها تارة أخري في زمن آخر وقلما تجد من يدور مع الحق أينما دار

عوداً إلى جمال فأقول أنك قد ورطت الجميع.. فقد ألهمك الله أن تخلف وراءك دلائل مقتلك فلم تترك لأحد عذراً للتأويل أو التخمين أو التسويف. ورطت مشاعرنا يا جمال أفنشمت في عقوبات دولية للنظام والتي لن تمس إلا السعوديين؟ أم نشمت في محاولة إسقاط المجتمع الدولي للأسرة السعودية الحاكمة والذي أستبعده تماماً؟ إنك تقف حائرا بين تعاطف مع الشعب السعودي وبين تشفي في نظام يجتمع علي قتل أحد أبنائه.

 

ولكن لم يلبث هذا التورط أن انقشع عن فكري عندما تذكرت الآية الكريمة (وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) إنك بلا شك ستجد أبرياء يؤخذون بالعذاب مع الأغلبية الظالمة وحسابهم عند ربك يوم القيامة. روت لنا أمنا زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي ﷺ دخل عليها غضبان يقول: ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق بين أصبعيه السباحة والوسطى فقالت له زينب رضي الله عنها: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم إذا كثر الخبث. فالصامتون القادرون والمداهنون والمنتفعون واللامبالون والمؤولون كلهم يستدعون عذاب الله إلى بلادهم.. إن عذاب ربك غير مأمون.

ويبقى سؤال.. من ينتصر لجمال خاشقجي؟ رجعت للسيرة النبوية مرة أخرى لأجد ضالتي. فقد هرع عمرو بن سالم من خزاعة حلفاء النبي إلا المدينة يستصرخ النصرة بعد أن غدرت بهم بنو بكر تساندهم قريش فقتلوا منهم نفراً كثيراً وهذا أثناء هدنة صلح الحديبية. إنك لا يسعك إلا أن ينشرح صدرك وأنت تقرأ أن النبي عليه الصلاة والسلام ما تردد أن يقول لهذا المكلوم (نصرت يا عمرو بن سالم) ونادى أهل المدينة يتأهبون لقتال قريش فكان نصر الله وفتح مكة. فهل لنا من يقول (نصرت يا جمال خاشقجي).. ستكشف الأيام معادن الرجال.