جوانب كوميدية في جريمة القنصلية!

blogs القنصلية السعودية

لن يجد المرء وصفا للقاتل أعدل وأحسن من وصف: جريمة في جحر الضب، لقد "دخل جحر الضب"، وحجر الضب نخروب، بلا مخارج غير مدخله. يعني "one way ticket" بتعبير أغنية فرقة بوني أم. واستدعاء وصف من الأثر النبوي، سببه تغريدة من الأثر، لمستشار في القصر الملكي السعودي، هدد بقتل المعارض خاشقجي بالإشارة والتلميح وأحيانا بالتصريح، "حتى كان لو كان متعلقا بأستار الكعبة"، هذا يجعلنا نذهب إلى أنه يعتبر أن ولاية جوني الأمريكي تشبه فتح مكة، وأن ولي نعمته نبي. وفي فتح مكة، أعلن المنادي عن أمكنة الأمان، ومنها؛ "أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"، لكن أين المؤمِّن من أبا سفيان، فلم يكن أبو سفيان يكذب، ولم يكن يغدر، وقد غدر القاتل بالذي استأمنه وهو مواطن سعودي، وليس حوثيا ولا قطريا، وليس عكرمة بن أبي جهل ولا عبد الله بن أبي سرح وقد نالا العفو.

 

والجريمة التي شاء الله لها أن تكون فاضحة، قد أعيت إمبراطورية القاتل الإعلامية، وأخرسته، فليس لهم إلا اتهام قطر اتهاما مرسلا من غير طوابع، أو اتهام تركيا باشتباهها بسياح لطفاء ينتسبون جميعا إلى النخبة الحاكمة المحيطة بفاتح مكة العظيم، قصدوا تركيا للسياحة عدة ساعات، قضوها في القنصلية وليس في جامع السلطان أحمد، وعادوا بعد ان استمتعوا بالقتل والتعذيب. أو بالرد على خبر جريمة القنصلية ببث أغاني نانسي عجرم، والله لو أحييتم أم كلثوم، ما أخرجتكم من جحر الضب، ولو غنت لكم "سلام الله على الأغنام"، وكانت هناك محاولة قبل الجريمة لإحيائها، عبر تكنولوجيا "الهولوجرام"، أو "التصوير التجسيمي"، الذي يعرض صورة طيفية للأشخاص، لا ام كلثوم، ولا ياسين أقطاي الذي تحدث عن طرف ثالث: الطرف الثالث هو الشيطان. القاتل له أربعة أطراف.

 

والجريمة مضحكة، لأن فيها مختفيان اثنان، وزير الخارجية السعودي هو الثاني، وقد تبادر هوليود إلى إنتاجها فيلما، ويصير من أحسن عشرة أفلام بوليسية كوميدية في العالم، إلى جانب أفلام "جوني انكليش"، و"النمر الوردي" بطولة المفتش المضحك جاك كلوزو، وفيلم "فلنصير رجال شرطة"، وسيكون فلمنا بعنوان "الأعراب يرتكبون الجريمة الكاملة". رفض أمس محمد المسعري وصف الجريمة بالمهلهلة، فهي جريمة شبيه، ونمط الشبيه من أقدم الأنماط السينمائية، قال أن الجريمة لا تخلو من ذكاء، وإن كتيبة الإعدام، كان قد اصطحبوا رجلا يشبه خاشقجي، وفهمت أنهم كانوا ينوون خطف الخاشقجي الحقيقي وترك الشبيه للسيدة خديجة جنكيز التي تذكر باسمها الأول على فضائيات السعودية، فزاد الطين بلة.

 

انطلقت موجة من السخط على تغطية إمبراطورية السعودية الإعلامية، العربية خاصة، للجريمة ووقوفها موقف المتفرج والصواب موقف المتلبس بالجرم المشهود

عذرا أيها السادة، فثمة جانب مضحك في المأساة. وفي الفيلم الكوميدي الذي سنراه قبل أن نرى مشروع نيوم على البحر الأحمر، سيكون لأعضاء فريق الجريمة أسماء حركية، قد يكون اسم الطبيب الذي أتى للأشراف على، أبو قراط مثلا، وجاء لتجنب الخلط بين الكبد والأمعاء الغليظة، وانتخاب الأعضاء الحيوية، وتخزينها في براد لبيعها في السوق. وقد يكون اسم الملاك الحارس الذي جاء لحراسة القتلة عند الاشتباك مع الشرطة التركية "أنا والمنشار وهواك".

 

وقد انطلقت موجة من السخط على تغطية إمبراطورية السعودية الإعلامية، العربية خاصة، للجريمة ووقوفها موقف المتفرج والصواب موقف المتلبس بالجرم المشهود. كتب صحافي معارض سوري، فض الله فاه، أن قطر انتصرت على السعودية إعلاميا، وكأن قطر والسعودية تغطيان مونديال رياضة، أو سباقا للهجن، فالجريمة وقعت في القنصلية السعودية، والقنصليات العربية ثقوب سوداء، هي فروع لوزارة الداخلية في الخارج. سخر لبناني له برنامج تلفزيوني، من الجزيرة وضيوفها الذين يرجمون بالغيب.

 

إن إعلام الهولوغرام، ينفخ في قربة مقطوعة، ممزقة، مثل جثة الشهيد التي هجمت عليها ضباع جائعة، فلن تعيق شيئا، فهناك جريمة صارت عالمية ودولية، مع سبق الإصرار وعناد الحمار والترصد. نعم كان يمكن قتله بحادث سير، لكن حادث السير ليس فيه شفاء الغيظ وسورة الانتقام. والجريمة تكبر مثل جريمة قتل الصربي الشاب غافر يلو برنسيب، ولي عهد النمسا، أمير المجر وبوهيميا الأرشيدوق فرانز فرديناند، وهو يتجول في مدينة سراييفو بسيارة مكشوفة مع زوجته التي تصغره بأربعة أعوام، ففجر الحرب العالمية الأولى، استمرت أربع سنوات. تورطت فيها الخلافة العثمانية، ولذلك تتمهل تركيا في إعلان النتائج، وتدغدغ القاتل على طريقة الصعايدة.

 

تركيا تقسط المعلومات، من أجل جس نبض القتلة التي نسمعها تضرب على الفضائيات، مثل لاعب البوكر يطرح أورقه حتى يرى أوراق الخصم، أملا بأن يعترف أحد المجرمين أو ينهار، أو يعرض أوراقه. جمع القتلة بين أمور متباينة؛ هي انتقام البدوي، وحبكات أغاثا كريستي، ورعب أفلام هالوين، التي يكثر فيها نشر الضحايا بالمنشار. تقول تقارير صحيفة أن الساحر صاحب الفلم البوليسي المنكود التي انقلبت وبالا عليه؛ حقود، أرسل الكتيبة بطائرتين وعبروا البحار ومعهم آلات التعذيب، للتمويه، هذا لا يخطر على بال روائي مثل ماريو بوزوز مؤلف رواية العرّاب، ليس لمعالجة مواطنهم من بأس حل به كما تفعل الدول الكريمة، ولا لمكافأته على حسن النصيحة، وإنما للانتقام.

 

مضت واحدة من أجمل ورود الربيع العربي، وقتلت خلاصة الربيع العربي، دخل الشهيد واثق الخطوة إلى القنصلية، وكأنه يدخل دار أبي سفيان، ومن دخل داره فهو آمن، والشهيد صحافي محبوب، و"بسيط كالماء وواضح كطلقة مسدس"، سهل العبارة، شجاع يقول كلمته حتى في واشنطن، فيذكر محاسن الإخوان السملين وفضلهم على السعودية، وأثرهم في الربيع العربي، ويشيد بفلسطين في آخر تغريدة، ويقول في آخر مقابلة له مع نور خانوم، أنه يحسد الجزيرة التي وقفت إلى جانب الحق وضحّت بشروط المهنة من أجل الحق.

 

جريمة أعراب اليانكي المنتقمين في إسطنبول التي كانت مكانا لتصوير أفلام بوليسية عالمية كاملة، والفضيحة بأجراس وجلاجل، ويمكن بوصفها "بالمدخلية"، وقد ذكرنا جحر الضب في البداية، فالقتل على الهواء، أو تحته، في "كتاب الكبائر"، أشد من الزنا والخمر على التلفزيون. قبل أيام كتبت تغريدة على صفحتي أذكر فيها بأنّ الحجاج ظلَّ يصرخ كل ليلة بعد قتل سعيد بن جبير: مالي ولسعيد بن جبير، ونسيت أن أكتب أنه لم يمكث بعد أسبوعين حتى هلك. وأن ناصحين نصحوا جوني انكليش أن يتأسى بالصين التي لا تخضع للإنذارات، وفرق كبير بين الصين والسعودية، وبين التنين والضب، وكان يمكن للسعودية أن تكون أقوى من الصين من غير قنابل نووية، لو شاءت. نحن بانتظار عملية إخراج الضب من الحجر، برافعة مثل التي أخرجت كوسك من قاع البحر، وقد يخرج طائرا بجناحين من شمع تذوبان في الشمس.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة