السرطان.. المرض الذي لم أعد أخشاه

blogs سرطان

السرطان، تلك الكلمة المحظورة الملْعونة منذ صغري، لا أدري كيف وصلتُ لقناعتي هذه، ولا أدري كيف رَسخت في ذهني، حتى خصصت لها حجرتها الخاصة في عقلي، وأوصدت عليها الأبواب، عزلتُها عن كل محيطها، ولم أطرق أبوابها يوماً. واعتدت أن أسيرَ كما يسير الجميع فلا أذكرها. الحقيقة أنّي أخافُ ذكرها، كي لا تُصيبني لعنتُها، تلك اللعنة المزعومة، فعندما يُصاب أحدهم بالسرطان، كنت أسمعهم يقولون بحزنٍ لا يخلو من الشفقة، "يا حرام، معه الخبيث"، أو معه من ذاك المرض كما عهدتهم ينعتونه.

بتُ أخشى ذكرَ اسمه، ولا أتطرق له، وكأنّه مرض معدٍ بمجرد التفَوْه بِلفظته، فيذكرونه تلميحاً لا تصريحاً، ويبدؤون بذكر محاسن الشخص، في وضعٍ كأنه مع الأموات أضحى، وأنّه ليس بالمريض فقط، بل هو الذي يرقدُ مُنتظراً خروج روحه لا أكثر. فرُسِمَ في ذهني أن السرطان لا شفاء منه، وأنه إذ ما دخل جسم الإنسان لا يغادره، وإن غاب عنه فلا بدَّ له من العودة، وأنَّ النهاية الحتمية لهذا المرض الموت، والنجاة منه من المحال، والتخلص منه طريقٌ محفوف بالألم الذي يوصف. هذا في حال التخلص منه بأعجوبة، وزمن العجائب قد انتهى، فالشفاء منه، حبلٌ مقطوعٌ من الأمل. هكذا كنت أرى السرطان، أراه الوحش المُخيف المُسيطر، أراهُ قارباً مثقوباً لا نجاة منه، ولا نجدة، مما انعكس على تعاملي معه، وحمدت الله أنه لا يُذكر حولي إلّا في مجالس ذكر قصص الناس وأخبارهم.

شعرت بأن مريض السرطان قد تُتعبه معاملة الناس أكثر من المرض بعينه، تلك نظرات الشفقة التي تلوح في الأجواء، تدفع المريض للتفكير في مُواجهة الناس أكثر من مواجهة المرض.

إلى أن جاء اليوم الذي لا مجال فيه من الفرارِ من السرطان، عندما أراه صارَ قريباً حولي، في مُحيطي، وعندما أدركتُ أن القصص التي تجنبتُ سماعها يوماً، ستكون اليومَ بقربي، وسأعيشها مع أشخاصٍ تحلو بهم الحياة. وأن السرطان الذي أخافني اسمه منذ زمن، وكنت أهربُ من حديثه، أصبح الزائرُ الغير مرغوبٍ فيه، عندها صارَ من الضروري أن أتعامل مع السرطان ووجوده كأنه أمراً عادياً جداً، وأن أتَقبَّلَ زياراته الغير لطيفة، ليس من أجله بل من أجل من أُحب. وفجأةً رأيتُ كُلَ الأفكارِ السابقةِ المُخيفةِ تتلاشى، واحدة تلو الأخرى، ذلك لأنه يصعُبُ علينا تخيّل أي مكروهٍ يُصيب من حولنا ومن نحب، وربما أيضاً، لأنّ الأمورَ عن بعدٍ تكونُ أكثر إخافة، مما هي عليه في الحقيقة، وما إن اقتربت منّا نرى حقيقة حجمها.

وسعدتُ بذاك الاستنتاج، لأنه هو الوحيد الذي يمدُنا جميعاً بالقوة اللازمة لتجنب السقوط في مُستنقع اليأس، فتكون قوتنا معيناً لنا ولمن نحب. نخفِفُ الألم عمّن يتألَّمُ حولنا، ولا نستطيع أن نُقدم المُساعدة، وفي الحقيقة إن كنا عاجزين عن تقديم المساعدة العلاجية، نحن نُقدمُ لهم ما ينفع أكثر من كل الأدوية. نحن نبث فيهم الأمل، نُساندهم و نساعدهم في الاقتناع أنه لا مجال للسقوط، وأن الفشل والاستسلام كلمات لا تنتمي لقاموس الحياة، وأن من اخترعها هو من لم يقرر التحدي، هو من ضَعُفَت روحه قبل أن يهرمَ جسدُه، هو من لم يزرع زهور الأمل في روحه، وإن زرعها لحظة لم يعتنِ بها لتزهر وتبقى.

فعندما نرى مشاعر الخوف الممزوج بالقوة، قد رُسمت خارطةً في أعين من نُحب ويتألّم، يُصبح التفكير بكل ما كان مُعتقدٍ من قبل من المُحرمات. نخجل من أنفسنا إذ ما خطر في بالنا فكرة استسلام أو ضعف، خُصوصاً عندما نرى الأمل يبرق من أعينهم، وعندما نراهم يغلبون الوجع، نحن وهم نعلم أنَّ الألم كبير لكن الأمل هو الأكبر، واثقين أن الانتصار دائماً للخير. وما إن نرى صمودهم يسندهم، ونرى حالهم يتقدم لا يتراجع، ندركُ ساعتها أن كل ما اعتقدناهُ سابقاً، ليس سوى خرافاتٍ، توارثناها جاهلينَ بما حملنا من أفكار، مَخاوف نسجتها عجائزٌ لم تَخْبر التطور والتقدم الطبي، ومن لم يملكوا ثقافة الأمل، تلك الثقافة التي يجب أن تكبر معنا، نزرعها في أرواح أبنائنا؛ ليكونوا قادرين على مواجهة كل ما يصفعهم، وليتمكنوا من رؤية ما هو جميل قبل التذمر والاستسلام.

undefined

شعرت بأن مريض السرطان قد تُتعبه معاملة الناس أكثر من المرض بعينه، تلك نظرات الشفقة التي تلوح في الأجواء، تدفع المريض للتفكير في مُواجهة الناس أكثر من مواجهة المرض، والتفكير بوسيلةٍ لرفض هذه النظرات الجارحة، ولا يجدُ أمامه سوى التزوّد بالقوة. تلك القوة التي إن لم نستطع أن ندعمهم ونزودهما بها، يُصبح من الضروري أن ندعهم وشأنهم، يتكفلون أمورَ ذاتهما، هذا هو الأفضل لهم. وتأكدت أن لمريض السرطان حياةٌ يُتابعها، وأن حياته لا تتوقف ولا تتغير لحظة معرفته بالإصابة، وأنَّ ألم الجرعات الكيماوية لا يمنعه من مواصلة الفرح، وأن الشَعَرَ الذي يفقده لا يمنعه من التَجمُّل وحتى الازدياد جمالاً.

نعم، تلك القوة التي تنبع من الداخل، تلك التي لا نستطيع أن نُعطيها للمريض كَحُقنةٍ أو حبةِ دواء، هي القوة التي تُمكنهم من المواجهة كل يوم. القوة التي تُعطيهم الأمل والطاقة للذهاب نحو الجرعة المُؤلمة. وأنا أرى كل هذا، كان لا بدَّ لي من أن أتجاوب مع ما يحدث، وأن أُصْلِحَ الخرابات الصدئة، وأن أتخلص من شوائب الماء العكرة، حينها قررت أن أفتح كلَ الأبوابِ التي كانت موصده على السرطان، وقررت أن أُصادقه، أُصافحه، وأرى منه جانباً جميلاً، أرى فيه القدرة على تغير نظرتنا للحياة، وأرى فيه جمال التحدي.

ذاك التحدي، الذي ندخله رغماً عنّا، ومهما رفضنا لا هروب من المواجهة، المواجهة العظيمة، التي تُظهرُ جمال أرواحنا، تُظهِرُ زهورَ حدائق قلوبنا وجمل ألوانها، وآمنت أنّ هكذا أحداث وهكذا تحديات، وحدها من تجعلنا نثبتُ أنفسنا أمام أنفسنا، تُفجّرُ فينا طاقاتنا المخزونة، وهي الوحيدة القادرة على استخلاص الأمل منّا عندما لا نرى سوى الألم. فالسرطان لا يُخيفني اليوم، قد حررته من كل قيوده، بات عادياً جداً، وصرتُ أراه صديقاً قوياً، يُريد البقاء لكنه اختار طريق التطفل، يتطفل على أحبابنا وقد يسلبهم. قد يسلبهم لأني رأيت السرطان لا يتمكن إلّا ممن ضعفت روحهم، ممن لم يرووا زهور حدائقهم فذبلت، فَما السرطان إلّا منافسة وتحدي، نكسب فيها عندما نُعيد السرطان عارياً وحيداً إلى بيته، ونحن نمضي في حياتنا لا شيء يُحزننا، أقوى مما كنّا، خُضنا تجربةً منحتنا الثقة لمواجهة ما هو أكبر.