"الترافيكك" هو الأهم.. هكذا تموت القضايا الإنسانية على مذبح وسائل الإعلام

تتداعى على مائدة الإعلام الدولي العديد من القضايا المتعاقبة حول قضايا تهم هذه الجهة الإعلامية أو المؤسسة الناشطة أو تلك الجهة التي تحاول إثبات ذاتها وحضورها في مواجهة التحديات وتجليات الحياة في الواقع، وما بين صخب الإعلام الفوضوي، ومصائب الشعوب المتلاحقة، والحروب والنزاعات التي زرعت على أرضنا للفتك بمقدراتنا، ألا يحق لنا أن نتساءل عن الفرد البسيط في ظل هذه الأزمات والضوضاء الإعلامية؟ سؤالي ليس بريئاً بالمطلق، فأنا هنا أوجه النظر لكل السادة القراء لفتح ملف المصداقية في عقولهم وقلوبهم تجاه القضايا الإنسانية الفردية التي بتنا نعيشها وتطمسها ماكينة الإعلام الباطشة، فهل سيعني انشغال المؤسسات الإعلامية في ملفات تهمها أن نتناسى أننا أمام مآسٍ وإشكاليات تطال الفرد؛ وتفتك بإنسان برئي في أقاصي الأرض وأواسطها؟

 

إننا -كبشر – مطالبون بالوعي لا أن ننساق لكوننا قطيع أغنام نساق بلا وعي ولا تركيز نحو ما يريده صناع الحدث الإعلامي والسياسي، فنحن بالدرجة الأولى بشر، وبعد ذلك يمكن لكل منا أن يضيف لهذا الوصف ما شاء من رتب وأسماء وصفات، وهذا معناه بكل تأكيد أن نلتف حول قيمتنا البشرية بشكل واعٍ وعاقل وبعد ذلك أن نلتفت للقضايا التي يحاول الإعلام أن يفرضها علينا في كل فترة وفينة لينقل عقولنا بين قضية وقضية؛ وتضيع بين هذه وتلك قضايا إنسان تائه ليس له كاميرا تنصره، وليس له إعلامي يثير قضيته في المؤسسات الإعلامية الكبرى أو وسائل التواصل الاجتماعي.

 

أسير فلسطيني منسي في غياهب السجون الإسرائيلية الغاشمة، يعيش في بطن الحوت الصهيوني يقاسي الأمرين والتضييق والعيش البائس والعزل، ينضم في قائمة المنسيين لامرأة في الحديدة تبحث عن قوت عيالها الأيتام بين البيوت المهدمة، ومعهما طفل صغير لا زال يلعب على أنقاض بيته المهدم في جسر الشغور، وفتاة تتقن فن البكاء على والدها القتيل في مقابر العراق المجهولة، فمن يلتفت لهؤلاء في ظل العصف الإعلامي بالقضايا الإعلامية الموجهة؟ أيحق لنا -إنسانياً – أن ننسى أن الأيغور في الصين يعانون الاضطهاد الديني، وأن سياسات القمع في إفريقيا تطال أبرياء بعيداً عن عيون الكاميرات؟

 

من الجيد الاهتمام بالقضايا الكبرى وملفات الإعلام الساخنة، وهي ضرورة واقعية في هذه الأيام التي نعيشها، ولكن ضغط الملفات الكبرى يجب أن لا ينسينا قيمنا الذاتية وهويتنا التي عليها نحيا

أيمكن لعاقل أن يبرر النسيان المتعمد لقضايا الفقر غير المبرر في القارة السمراء، وتداعيات الحصار على مدن وأحياء في ليبيا، وحرائق الأسواق والأحياء في مجاهيل إفريقيا والتي تسجل بلا فاعل معلوم؛ وتضيع بها حقوق ملايين البشر بين حالة وحالة؟ أمن الإنسانية في شيء أن نتغافل إعلامياً عن عشرات الآلاف من معتقلي الرأي في عالمنا العربي؟ واستباحة الفتوى بالقتل والتكفير التي انعكست على حالات فردية متعددة الأقطار والمسببات والأدوات فيقتل بها أبرياء، وتفاعل معها جهلاء، ويتّم لأجلها أطفال، ورملت بسببها النساء؟

 

إن هذه التساؤلات – غير البريئة – موجهة لعقولكم جميعاً كقراء كرام أعزاء، وموجهة لنا نحن الإعلاميين في أزمة تصاعد ملفات القضايا الكبرى، وإذا سمحتم لي بضرب مثال بسيط عشناه سوياً الأسبوع المنصرم كمثال صالح للقياس، وهو مشهد قتل الأم الفلسطينية عائشة الرابي  أمام زوجها وطفلتها  على أيدي المستجلبين اليهود في فلسطين، ومشهد مجموعة من الأطفال يشربون المياه الملوثة في اليمن، وعجوز عراقي أصابه الذل بعد العز، في وقت تسابقت فيه وسائل الإعلام لتناول قضية الإعلامي الكبير الأستاذ خاشقجي وملف اختفائه وتحقيقات مقتله، فهنا نحن أمام حالة إنسان وإنسان، وجريمة وجريمة، فلماذا نكون هنا ولا نكون هناك؟

 

من الجيد الاهتمام بالقضايا الكبرى وملفات الإعلام الساخنة، وهي ضرورة واقعية في هذه الأيام التي نعيشها، ولكن ضغط الملفات الكبرى يجب أن لا ينسينا قيمنا الذاتية وهويتنا التي عليها نحيا وبها يمكن ضبط البوصلة، فإذا نسينا الإنسان فلا مجال أمامنا للحديث عن حقوق الإنسان وملفات الانتهاكات لحقوق الطفل والمرأة والحقوق العامة والمواطنة، فالأساس إذا بطل وفسد فكل ما قام عليه من بناء قابل للهدم الذاتي في أي لحظة، كمجتمع يهتم بالفلسفة وينسى البناء العقائدي ويظن أنه سيستمر، أو مجتمع يركز على القضايا الاجتماعية وينسى مسائل الحقوق، فالطائر له جناحان لا يمكنه الطيران بواحد بأي حال.



حول هذه القصة

ناقشت حلقة الثلاثاء من برنامج الاتجاه المعاكس (2018/10/16) المواقف الدولية تجاه السعودية بعد قضية اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة