أنت جميل.. خدعة تعيشها لا أكثر!

تُعتبرُ الجماليات مبحثاً مُستقلاً عن باقي المباحث، وقد ظهر هذا المبحث خلال القرن الثامن عشر. كان أول من انتبه لأهميّة الاستِطيقا هو الألماني "ألكسندر جوتليب بومجارتن" (1714 – 1762)، لكنه وقعَ في عدة أخطاء جسيمة لم تجعل منه مؤسِّساً لهذا المبحث. حتى قبل القرن الثامن عشر لم تخل الفلسفة من فكرة الجماليات، فأفلاطون تحدث وبإسهابٍ شديد عن مفهوم الجمال.

تأسّست الاستِطيقا وفق شروط أساسية: الذاتيّة، الاستقلالية، النَّقدية. ما هي العوامل التي أدت إلى استقلالية هذا المبحث؟ وهل كانط هو مؤسس الاستِطيقا انطلاقاً من كتابه القيّم "نقد ملكة الحكم"؟ ظهرت الاستِطيقا خلال القرن الثامن عشر كمبحثٍ مستقلٍّ بذاته. وهي كلمةٌ يونانية الأصل "إيستزيس"، ويقصدُ بها كلُّ ما له علاقة بالحساسية. الحساسية كمفهوم تمثلُ ما يروقنا، وهي كلُّ ما لا يخضعُ للمجال العقلي، وتهمُّ الذوق بشكلٍ أساسي.

بدأ نحت الاستطيقا مع "بومجارتن" من خلال كتابه "الاستِطيقا". لكن، لا يمكننا نسيان وطمر مجهود أفلاطون الجبَّار الذي ناقش مفهوم الجَمال، تحدثَ عنه في بعض المحاورات. لقد اعتبر أفلاطون الجمال هو محاكاة المحاكاة، أي أنه متواجد في عالم المثل، ولا يوجد في عالم الأشباح والظلال. لكن كان هناك مشكلٌ عويص، وهو انعدام استقلالية هذا المبحث الغني.

انتظرنا حلول أعظم قرنٍ عرفه التاريخ، وهو القرن الثامن عشر، هنا سيصبحُ مبحث الجمال مبحثاً مستقلاً، بعد الفصل بين الجمال والأخلاق، وتمَّ كذلك التخلِّي عن المعياريّة، والمعياريُّ يقصدُ به (أفضل، ناقص)، بعد هذه الفترة لم يعد هناكَ شيءٌ معياري. إلى جانب التخلِّي عن المعيارية، نَجِدُ تَوَفَّر شرط الذاتية، هذا الشرط كما هو معلوم ظهر مع "ديكارت"، وهناك رأيٌّ شائع يُقِرُّ بأن هذا الشرط هو من إنتاج "الإمام الغزالي"، وهذا خطأ، لأنَّ الغزالي كانَ يعيشُ تحت وطأة الدين وسطوة اللَّاهوت.

تتجلى أهمية "كانط" أنَّه كان مُناصراً للعقل وعقلانياً، رغم ذلك، سعى إلى نقدِ العقل، من أجلِ نزع طابع القداسةِ عنه. وتكمنُ أيضاً أهميتهُ النَّقدية في محاولته أنْ يُبين حدود العقل

إنَّ السبب الرئيسي وراء ربط الاستطيقا بشرط الذاتية هو الحكم الذاتي. الذاتية لا تعني الأنانية بل يُقصدُ بها أنَّ الإنسان مستقلٌّ عن الآخر وله فكرٌ وكرامة. لقد تعصَّبت الديكارتية للاَّهوت في مقابل التعصُّب للعقل. ديكارت اعتبر أنَّ العقل غير محدود في الوجود الإنساني، ولذلك جاء "إيمانويل كانط" (1724 – 1804) من أجل إعادة النَّظر في إطلاقية العقل، واعتبر أنَّ هناك ثلاثة أفكارٍ تفوق حدود العقل الإنساني:

– خلودُ النفس أو الرُّوح
– الحرية: هل يفعلُ الإنسان ما يشاء بإرادتهِ؟
– هل الله موجود أم غير موجود؟

هذه الإشكاليات هي التي تشكِّلُ الميتافيزيقا عند "كانط" لأنَّها تخترقُ حدود العقل الإنساني. ميَّزَ "كانط" بين التفكير والمعرفة، وأكَّد على أنَّ ليس كلُّ ما نُفكِّرُ فيه نعرفه، لأنَّ المعرفة تستوجبُ شرطان أساسيان:

– المقولات العقلية (الهوية، السببية).
– المُدركات الحسيّة. الأولى تكونُ قبلية والثانية تكونُ بعدية.

تتجلى أهمية "كانط" أنَّه كان مُناصراً للعقل وعقلانياً، رغم ذلك، سعى إلى نقدِ العقل، من أجلِ نزع طابع القداسةِ عنه. وتكمنُ أيضاً أهميتهُ النَّقدية في محاولته أنْ يُبين حدود العقل وهذا ما جعلهُ مؤسِّساً للاستطيقا. معلومٌ أنَّ "بومجارتن" هو أول من فتح باب الاستطيقا بعد أنْ اكتشفَ التوازي بين المحسوس والمعقول، لكن الخطأ الذي ارتكبه هو اعتبارهُ أنَّ هناك مبدآنِ يحكمان الفلسفة هما: التمايز والوضوح. أمَّا كانط فلم يعتبِر أنَّ العقل هو الأسمى، بل هناك أشياءٌ غائبة ومُحتقرة.

للإنسان ثلاث ملكات: المعرفة، الرغبة، الحُكم. ولقد اكتشفَ كانط اكتشافاً مُبهراً، وهو تواجدُ هُوّةٍ في نسقه وتتجلى في الانفصال بين المعرفةِ والأخلاق. ولذلك أدرجَ ملكةً جديدة وهي الملكة الذَّائقة، وهي التي تقودنا إلى الاستمتاعِ، وبواسطة هذه المَلَكة يستطيعُ الإنسان أنْ يرضي تطلُّعين، لأنَّ الإنسان كائنٌ زائل ومتناهي. الجميلُ هو الابتعادُ عما يُنغِّص، والاقترابُ مما يُمتع. وهناك فرقٌ شاسع بين الجليل والجميل، فالجليلُ هو الذي يُعطينا الشعور بالرِّضا والإشباع. أمَّا الجميل فهو التمييزُ والمُفاضلةُ بين شيئين، وهنا نكونُ في ظلِّ ملكة الحكم.

 

الفلسفة منذ اليونان لم تعتبر الجمال شيئاً زائداً، فأفلاطون نفسه كان يتحدثُ عن الفن والجمال، ولكن الجمال كفكرة في علاقتهِ بالحقيقة
 

الحكم نوعان:
* الحكم الغائي
* الحكمُ الجمالي.

إنَّ فلسفة "كانط" هي بناءٌ هندسيٌّ معماري، وكلُّ جزءٍ منه يشدُّ باقي الأجزاء. الجميل يُعرِّفهُ إيمانويل كانط قائلاً: "الجميلُ ليس بمفهوم أو بموضوع، بل هو تمثلٌ للشيءِ فقط، والجميلُ يتّصفُ بصفة الممتع، والمتعةُ هنا متعةٌ راقية، وليست منحطَّة. فالجميلُ هو الذي يمتع بكيفيةٍ خالصة، ويعجبُ النَّاس رغم اختلاف أذواقهم واستقلالِ ذواتهم".

كانط هو أول من استعملَ مصطلح "الجميل" بدل "الجمال". الفلسفة منذ اليونان لم تعتبر الجمال شيئاً زائداً، فأفلاطون نفسه كان يتحدثُ عن الفن والجمال، ولكن الجمال كفكرة في علاقتهِ بالحقيقة. أفلاطون كان يَعتبرُ الجمال مثله مثلَ العدالة والفضيلة، أي كفكرة ولكنه تجليّاته حقيقية. الأشياءُ الجميلة تزول، لكن الجمال خَالِدٌ وأبدي، فالجمال في نظرِ أفلاطون هو أسمى من الأشياء الجميلة. ظهور الأنسان كذات لم يكن مع أفلاطون لأنَّ هذا الأخير كانَ له "براديغم" خاص. ذاتية الإنسان ظهرت مع كانط خلال القرن الثامن عشر، هنا تم الانتهاء من الحديث حول الجمال وفُتِحَ باب الحديث حول الجميل.

تمَّ تعريفَ الجميل وِفقَ أربعة مقولات منطقية:

الذوقُ لا تحكمهُ ضرورةٌ منطقيّة أو مفاهيم علمية، ومن المُستحيل البرهنةُ على الذوق، برهاناً منطقياً، هذا المفهوم يعتبرُ القلب النَّابض لمبحث الاستطيقا

* حسبَ الكيف: الجميلُ هو الذي يمنحنا متعةً راقية، وهو الذي يُمتعنا متعةً خالصة. الجميل إذن خالٍ من المنفعة.

* حسبَ الكم: هل الجميل هو الذي يُمتعني يَخصُّني لوحدي أم يشملُ جميع النَّاس؟ وهل يجدونهُ الناس جميلاً؟ وهل الذوق حكمٌ ذاتي أم كوني؟ التجريبيون اعتبروا الذوق مسألة ذاتية، فـ "دافيد هيّوم" اعتبرَهُ صدفةً، فمرةً يكونُ جميلاً ومرةً لا يكون كذلك، أي أنه حاصلُ عادة وصدفة.

* حسبَ العلاقة: هل حكمُ الذوق أو الجميل غائيٌّ؟ الغائية هي تلك العلاقة العِلِّية بين العِلَّة والمعلول وبين الإرادة والخير، وبين الدَّافع والنتيجة.

* حسب الجهة: وضِعت أساساً من أجلِ الرد على الإنجليز لأنّهم اعتبروا الجميل هو حاصلُ صدفةٍ أو عادة (دافيد هيوم أنموذجاً).

الملَكات الثلاث المتواجدة في النَّسق الكانطي هي:
* الفاهِمة: مهمّتها هي اكتشاف القوانين، أي قوانين الطبيعة أو الفيزياء.

* العاقِلة: هي الّتي تضعُ القوانين الأخلاقية. ماذا يجبُ عليَّ أن أفعل؟

* الذَّائقة: هي التي تتذوّقُ الجمالات الفنية والطبيعية معاً، وتتيحُ اللعب الحر بين الملكات.

ما الفرقُ بين الفن والعمل المهني؟
هذا سؤالٌ جوهري، استعصى على البعض الإجابة عليه. لا يمكنُ اعتبارُ أي عملٍ مهني كيفما كان نوعهُ أنَّه عملٌ فني، لأن العمل المهني يتوخى منفعة، عكس الفن الذي يخلو من المنفعة والمصلحة والغاية. المهنة تكونُ قسرية وارتزاقيّة، أما الفن الذي يختلفُ عنها جوهرياً، فإنَّ غايتهُ هي المتعة فقط، ويرتكزُ بالأساس حولَ اللعب واللهو.

طرحَ كانط سؤالاً هاماً وهو: كيف يُنتجُ الجميل؟ 
إنتاجُ الجميل يفترِضُ موهبةً وعبقرية. ولا يُنْتَجُ عن طريق القاعدة ولا عن طريق الحريَّة المُطلقة، فـ كانط لا يُقِرُّ بِكِلاَ الإمكانيّتين، لأنَّ الفنان يترنّحُ بين الحُرية والقاعدة، فعند إثبات الحرية تنتفي القاعدة، ونفسُ الشيء بالنِّسبة للقاعدة، وهنا تظهرُ العبقرية بالتوفيقِ بين هذينِ المُتناقضين. الإبداعُ والحرية خاصيتان أساسيتان في إبداع الجميل، لأنَّ إبداعهُ يقتضي قدراً من الحُرية لكن ليست مُطلقة، ويقتضي كذلك قدراً من القاعدة. فالفنانُ دائماً يجمعُ بينَ النِّظام والفوضى.

الذوقُ لا تحكمهُ ضرورةٌ منطقيّة أو مفاهيم علمية، ومن المُستحيل البرهنةُ على الذوق، برهاناً منطقياً، هذا المفهوم يعتبرُ القلب النَّابض لمبحث الاستطيقا. يقولُ كانط في هذا الصدد: "لا توجدُ قاعدةٌ موضوعية للذوق، تُحدِّدُ بواسطة مفهومٍ عقلي ما هو الجميل". إيمانويل كانط، نقد ملكة الحُكم. الذوقُ هو الحكمُ على شيءٍ أو موضوعٍ معين أو نمطٍ كتمثل دونَ أي منفعة. إنَّ الجميل Le Beau هو مفهومٌ يجبُ علينا السباحةُ في سِبْرِ أغواره لمعرفة مرتكزاتهِ إذْ يقوم على مفهوم الذوق والإدراك الحسي والمحاكاة، كلُّ هذه المفاهيم تشكلُ لنا خيطاً ناظِماً لمعرفة مَاهِيَّة الجميل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامِش:
* كتاب: نقد مَلَكة الحُكم، إيمانويل كانط.
* كِتاب: فلسفة الجمال، أميرة حلمي مطر.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

هبط مؤشر البورصة السعودية 7% في تداولات اليوم الأحد، فاقدا مكتسبات عام 2018، مع تزايد الضغوط الدولية على المملكة إثر اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي والمطالبة بالكشف عن مصيره.

قال "ذا إنترسبت" إن وسائل الإعلام السعودية هبت للدفاع عن حكومتها بقضية خاشقجي كعادتها عندما تتورط بأزمة حقوق الإنسان. وزعم كاتب سعودي أن الدوحة تملك 50% من أسهم صحيفة أميركية.

يواصل جسر محمد باشا مسيرته التاريخية منذ أربعة قرون فوق نهر درينا بمدينة فيشيغراد البوسنية شامخا متحديا كل الظروف، ومنذ ذلك الحين تعاقبت أجيال وأحوال على الجسر بين حرب وسلم.

الأكثر قراءة