مدينة فاس المغربية.. كتاب تاريخ مفتوح

وأنت على عتبات أبواب فاس الشامخة، تشعر وكأنك جزء من التاريخ، فلا تشعر إلا وخطوات رجليك تقودك صوب حرم المدينة العتيقة وتستأذن على شرفات عتبات تاريخها، فيها بصمات لكل حقب المغرب، كأنها لوحة كثيرة الألوان، ما مرت عليها دولة إلا ووضعت بصماتها عليها حتى صارت لوحة بهية فائقة الجمال، إذ كانت دول المغرب من الأدارسة المؤسسين لها مرورا بالمرابطين والموحدين فالمرينيين والسعديين وصولا إلى العلويين لا يتم حكمهم إلا باستمداد الشرعية من جامع القرويين، لكن للأسف ففاس اليوم زهرة ذابلة إذ أزهر أيامها تقف وراء ظهرها، فهي الآن مجرد متحف مفتوح وكتاب تاريخ حي، لكن هناك بصيص أمل يلوح في الأفق القريب.

على فكرة فكتاب فاس للتاريخ يحوي ثلاث مجلدات، جزء للمدينة القديمة من عهد الأدارسة إلى عهد المرينيين، وثان للمدينة الجديدة وهي التي بنيت في عهد المرينيين في القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي، وجزء ثالث للمدينة الحديثة التي بنيت زمن الاحتلال الفرنسي، ولن أخوض طبعا في كل هذه المجلدات وإنما حسبنا في هذه التدوينة المدينة العتيقة بكل مآثرها وعلمائها.

بمجرد تناول المجلد الأول تستوقفك مقدمة تمهيدية تخبرك أن فاس هي أول مدينة إسلامية أسست في المغرب على يد الأدارسة، ومنذ بضع سنوات احتفلت بعيد ميلادها 1200، نعم بقرنها الثاني عشر، فهي من أكبر المدن العتيقة في العالم إذ تحتوي على حوالي تسعة آلاف بين شارع فسيح وزقاق ديق، ويحتضنها بين الشمال والجنوب برجين عملاقين بُنيا على الطريقة البرتغالية، ويلفها صور طويل عريض مليئ بالأبواب المزخرفة من أشهرها باب بوجلود وباب فتوح.

كان لا يعتبر العالم عالما في المغرب إلا إذا درّس أو درس في القرويين، وقد وقفت أوقاف عدة للقرويين وخزانتها العامرة لدرجة أنه كان وقف لمعلم الناس الوضوء

وإذا قلبت صفحة أو صفحتين من المجلد الأول تتراءى لك مفخرة فاس وجوهرتها عبر التاريخ وإلى الآن، نعم ذلك الجامع الذي أسسته فاطمة الفهرية عام 245 للهجرة بمالها الذي ورثته عن أبيها، نعم إنه جامع القرويين أول جامعة في التاريخ، إذ هو أول من أنشأ مفهوم الكرسي العلمي المتخصص، وأول من أنشأ الدرجات العلمية، وعند ذكرك لجامع القرويين تتراءى أمامك عدة أسماء لعلماء وأدباء ومفكرين زينوا الساحة العلمية وأثروها عبر التاريخ بكنوز من الكتب ومعارف القيمة من أمثال الشريف الإدريسي وابن طفيل وابن خلدون وأبو عمران الفاسي واليهودي ابن ميمون وعلال الفاسي وغيرهم كثير ممن قرأ فيها أو درّس بها أو زارها.

 

وكان لا يعتبر العالم عالما في المغرب إلا إذا درّس أو درس في القرويين، وقد وقفت أوقاف عدة للقرويين وخزانتها العامرة لدرجة أنه كان وقف لمعلم الناس الوضوء، وعلى ذكر القرويين فقط بنت مريم الفهرية وهي أخت فاطمة مسجدا آخر وهو مسجد الأندلسيين، وكانت المدينة العتيقة آنذاك منقسمة قسمين عدوة القرويين وعدوة الأندلسيين يفصل بينهما نهر عذب، وبعد مرور زمن الأدارسة نشب صراع بين العدوتين لدرجة أن بنوا جدارا فاصلا بينهما إلى أن جاء القائد الفذ يوسف بن تاشفين المرابطي وهدم الصور وأصلح بين العدوتين.

في فاس عدة أسواق ومدارس أغلبها أسس زمن المرينيين مما يعكس دور فاس العلمي والحضاري حتى سميت العاصمة العلمية والثقافية للمغرب، من أمثال هذه المدارس نجد مدرسة الصفارين أسسها أبو يوسف يعقوب المنصور المريني والمدرسة المحمدية والمدرسة المصباحية ومدرسة العطاريين أسسها أبو الحسن المريني والمدرسة البوعنانية أسسها أبو عنان المريني وهي من أبهى المدارس وأجملها زخرفة وبهاء من بلاط وخشب مزخرف وأسقف عالية فهي تحفة ناطقة ببراعة يد الصانع التقليدي، ومما زادها روعة ساعتها المائية البديعة الصنع، التي تعطلت ولم يسطع أحد إلى الآن أن يفك سر عملها بالماء، أبدعها أبو الحسن علي بن أحمد التلمساني، كما تجد في فاس أول دار للدبغ في أفريقيا إذا يتجاوز عمرها ألف سنة.

وأنت تمر بين أزقة تاريخها المفتوح تكتشف أن جميع الباعة من البقال إلى الحمال يتقنون اللغات الأجنبية على الخصوص الإنجليزية والفرنسية نظرا للاحتكاك اليومي مع الزوار الأجانب، وفي هذه السنة لاحظت توافد عدد كبير من الصينيين، فلا ريب أنه بعد مرور سنتين أو ثلاث ستجد جميع الباعة يتحدثون الصينية بطلاقة.

إذا انتهت جولتك في المدينة العتيقة لا بد من مرورك على جنان السبيل، هذه الحديقة الرائعة والبستان البهي الذي أسسه السلطان عبد الله العلوي في القرن 18 على طراز الحدائق الأندلسية
 

كذلك ستصادفك وأنت تتجول فنادق جميلة ومتاحف عديدة من أشهرها متحف البطحاء الذي يحوي حوالي 7629 تحفة من جميع حقب المغرب، وقد كان قبل أن يتحول إلى متحف قصرا للسلطان الحسن الأول العلوي في القرن التاسع عشر، وكذلك متحف برج الشمال وهو متحف للأسلحة القديمة، ومتحف النجاريين الذي أسسه المولى إسماعيل العلوي وهو متحف للخشب.

قبل أن أختم المجلد الأول بذكر جنان السبيل، لا بد أن نعرج على مرستان سيدي فْرِج مفخرة أهل فاس الذي أسسه يوسف بن يعقوب المريني وكان يدرس فيه الطب قبل أن يتخصص في الأمراض النفسية، وهو يعتبر أول مستشفى بالمفهوم الحديث تخصص في الأمراض النفسية، وأول مستشفى عالج مرضاه بالموسيقى.

فإذا انتهت جولتك في المدينة العتيقة وأوشكت على إتمام مجلدها الأول لا بد من مرورك على جنان السبيل، هذه الحديقة الرائعة والبستان البهي الذي أسسه السلطان عبد الله العلوي في القرن الثامن عشر على طراز الحدائق الأندلسية، ويمتد على مساحة سبعة هكتارات، ويحتوي على أكثر من ألف نوع من الأزهار والنباتات والأشجار منها الناذر جدا، كان مفخرة لكثير من الشعراء وتغنى به وعلى ضفاف نهره الكثير من المطربون، وقد كان مخصصا للأمراء وفي سنة 1917 فتح للعموم.
هذه جولة خفيفة في مدينة صدع جدرانها الإهمال لسنوات، وإنها لمدينة جدير أن يحتفى بها وبأهلها ويوضع فوق رأسها تاج العلم، لعلها تعود لسالف عهدها وأبهى عصرها وتحلى بالعلم والعلماء والمخترعين والأذكياء النبغاء.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة