بين أنقرة وواشنطن والرياض.. هل يُطيح خاشقجي برأس ابن سلمان؟

لم تكن الحادثة التي تعرض لها الإعلامي السُّعودي البارز جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بتركيا، هي الأولى في سِجِل الحرب السُّعودية العابرة للحُدود، ضد مُعارضيها ومُنتقدي سياساتها الداخلية والخارجية، ولن تكون الأخيرة بكل تأكيد. ففي منتصف الخمسينات من القرن الماضي، اندلعت أول احتجاجات عُمَّالية داخل السعودية، كان مسرحها شركة أرامكو، التي لم تكن يومها سِوى واحدة من العلامات الفارقة على التواجد الأمريكي في جزيرة العرب، الذي سيُقدّر لهُ البقاء فيما بعد، إلى ما شاء الله من العُقود القادمة، بفضل الاتفاقية التي أبرمها الأمريكيون مع الملك عبد العزيز بن سعود، في العام 1939م، والتي منحهم بموجبها حق الامتياز الكامل، في التنقيب على النفط والغاز، وإدارته وتسويقه إلى أجل غير محدود ولا مشروط.

تلك الاحتجاجات التي كان يقودها مُواطن سُعودي يُدعى "ناصر السعيد الشَّمَري" أحد العُمال داخل أرامكو، والتي كان سببها التنديد بنظام الفصل العنصري الذي وضعته أرامكو، حيث كان يُمَيَز بين المُوظفين الأمريكيين، الذين كانوا يُقيمون في أحياء سكنية فاخرة، ويتقاضون أجوراً عالية، فيما أقرانهم من الموظفين السُّعوديين، كانوا يعيشون بمناطق سكنية رديئة، مع أجور منخفضة، فيما يشبه نظام العُبودية، التي سلبتهم كل حقوقهم.

واجهت السلطات السعودية تلك الاحتجاجات بالقمع، واعتقلت آلاف المُحتجِّين وأودعتهم السُّجون، لكن ناصر السعيد لاذ بالفرار إلى دمشق ومنها إلى القاهرة، وأسس هناك حزباً معارضاً لنظام آل سعود، أسماه "اتحاد شعب الجزيرة العربية"، لكنه لم يُمهَل كثيراً حتى تم استدراجه في العام 1979م إلى بيروت، لإجراء مُقابلة صحفية مع صحيفة فرنسية، ليتم اختطافه والذهاب به إلى المطار، حيثُ تم نقله بطائرة سعودية، ولم يُعرف مصيره من وقتها حتى هذه اللحظة.

جميعنا يعلم أن حقوق الإنسان، هي في ذيل قائمة أولويات ترامب، وأن المال السُّعودي وصفقات السلاح مع السعودية، هما في رأس أجندته

نفس الشيء ينطبق على رجل الأعمال السُّعودي "محمد المُفرح"، الذي كان قد تقدَّم إلى السلطات السعودية مع بضعة نفر من الناشطين السعوديين، بطلب تأسيس أول حزب سياسي داخل المملكة، مع بداية اندلاع ثورات الربيع العربي، كان ذلك بتاريخ 11 فبراير/شباط من العام 2011م، والذي صادف يوم انطلاق ثورة الشباب السلمية في اليمن من العام نفسه، ولكن الذي حدث بعد ذلك بأسبوع فقط، هو أن تم اعتقال 6 أشخاص من الأعضاء المؤسسين لذاك الحزب، الذي كانوا قد أسموه "حزب الأمة"، فيما غادر محمد المُفرح إلى تركيا في وقت مبكر، خوفاً من ملاحقة السلطات السعودية، وأقام فيها لعدة سنوات، لكن الموت العابر للحدود وللقارات لم يُمهله، فمَات مَسموماً –بحسب أكثر الروايات شهرة- من قبل المُخابرات السعودية أواخر العام 2014م، ليتم نقل جثته إلى جدة بطائرة خاصة تابعة لوزارة الداخلية السعودية.

وقس على ذلك أمراء العائلة المالكة، المُنشَقين أو الهاربين خارج المملكة، أمثال الأمير "سلطان بن تركي"، الذي تم استدراجه في العام 2016م من مقر إقامته في باريس، بذريعة زيارة والده في القاهرة، ليكتشف فيما بعد أن طائرته مُتجهة إلى الرياض وليس إلى القاهرة، ومن وقتها لم يَسْمَع أحد أي أخبار عنه، ومثله الأمير "تركي بن بندر"، الذي تم استدراجه إلى المغرب، ثم ترحيله وتسلميه للسلطات السعودية، بعد نشره مقاطع فيديو مُعارضة للعائلة المالكة، والقائمة تطول بمثل هذه الحوادث.

ما الجديد إذاً.. في قضية اختفاء جمال خاشقجي؟

الجديد هنا، هو الاهتمام الدولي -منقطع النظير- بهذه القضية، وبخاصة البيت الأبيض وإدارة الرئيس ترامب، الذي لم يجد باباً للهرب منها، بسبب الضغوطات الكبيرة التي يتلقاها وأركان إدارته بشكل يومي، من قِبَل أعضاء بارزين في الكونجرس الأمريكي، وبسبب أن الحادثة أصبحت قضية رأي عام دولي، تتعلق بحقوق الإنسان، التي لطالما تشدقت بها الولايات المتحدة الأمريكية، ثم والأهم من ذلك كله، أن الرئيس ترامب، المعروف بشراهته الكبيرة للمال، قد وجَدَ بهذه القضية ضالته المنشودة، لمزيد من الابتزاز للملك سلمان ولنجله الطائش.

جميعنا يعلم أن حقوق الإنسان، هي في ذيل قائمة أولويات ترامب، وأن المال السُّعودي وصفقات السلاح مع السعودية، هما في رأس أجندته، وباعتقادي فإن إدارته تعكف حالياً بالعمل على إخراج سيناريو ما، لحل ولملمة هذه القضية، بشكل يحفظ بعض ماء الوجه للحليف المتهوِّر، ولربَّما كان رأس الأمير الشاب وعزله من منصب ولي العهد، وتعيين خلفاً له، من اختيار الأمريكيين أنفسهم، هو أحد الخيارات المطروحة، على اعتبار أن هذا الخيار هو الأقل تكلفة للحليف السُّعودي، من وجهة النظر الأمريكية، وبخاصة الرئيس ترامب، الحريص -وبشكل علني- على عدم المساس بصفقات السلاح المُبرمة مع حليفه، وبمقدمتها صفقة الـ 110 مليار دولار، التي بات لا يترك مناسبة إلا وتحدث عنها.

أنقرة لا تريد أن تصل الأمور بينها وبين الرياض حد القطيعة التامة بسبب هذا الملف، وهذا ما بدا جلياً في سُلوكها الهادئ والحذر، بالتعامل مع هذه القضية خلال الأسبوعين الماضين
 

أضف لذلك أن هذه هي فرصة ترامب المُواتية، لانتزاع قرار هذه المرة -وليس مُجرد موافقة لفظية- من الملك سلمان، يقضي بطرح أسهم الحكومة السعودية بالعملاقة أرامكو، للتداول في واحدة من البورصات الأمريكية، ربما تكون بورصة نيويورك أو غيرها، وهذا كله يعتمد بطبيعة الحال، على مدى تأكد إدارة ترامب، من ثُبوت الأدلة التي تُدين السعودية بشكل قطعي وأكيد.

لكن يبقى السؤال المُهم، الذي يصعُب علينا التكهُّن بالإجابة عليه في اللحظة الراهنة، المتعلق بالجانب التركي وهو، هل ستقبل تركيا بالرضوخ لأي تسوية من هذا النوع؟، لإنهاء وطي هذا الملف الهام والحسَّاس بالنسبة لها، من منظور أمني وسيادي، وهل سيقبل الرئيس أردوغان بالتراجع عن وعوده، في إعلان الحقيقة الكاملة للرأي العام وللعالم، فور الانتهاء من التحقيقات، أياً كانت تلك الحقائق؟، خُصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار، حدثاً هاماً كان قد تم خلال الأسبوع الفائت، وهو إطلاق سراح القس الأمريكي أندرو برونسون، من قبل السلطات التركية، في موقف بدا غريباً بعض الشيء، في هذا التوقيت بالذات.

من الواضح أن أنقرة لا تريد أن تصل الأمور بينها وبين الرياض حد القطيعة التامة بسبب هذا الملف، وهذا ما بدا جلياً في سُلوكها الهادئ والحذر، بالتعامل مع هذه القضية خلال الأسبوعين الماضين، لكن الأيام والأسابيع القادمة، ربما تكون كفيلة بالإجابة على كل أو بعض هذه التساؤلات.



حول هذه القصة

تخلت أستراليا عن موقفها الرافض الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأعلنت اليوم الثلاثاء، على لسان رئيس وزرائها سكوت موريسون، أنها ستدرس الأمر، وكذلك نقل سفارتها إلى المدينة المقدسة المحتلة.

16/10/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة