شعار قسم مدونات

"يجب عليهم أن يدفعوا".. إلى أين تسير المملكة تحت حكم ابن سلمان؟

مدونات - السعودية وأمريكا

بين إهانة ترامب للمملكة وإخفاء أو اختفاء جمال خاشقجي، يتساءل الناس عن الطريق الذي تسلكه بلاد الحرمين؟ في ظل قيادة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي للمملكة السعودية، وصاحب التغييرات غير السارة في سياستها الداخلية والخارجية في الفترة الأخيرة، حتى بدت للعيان دولة آل سعود عجوزاً قد أصابها الوهن واقتربت من نهايتها كما هو حال الدول عبر مر العصور والأزمان.

يخرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخطاب لم تعهده الولايات المتحدة الأمريكية من قبل، ولا الأعراف الدبلوماسية ولا سياسة الدولية ويفتقر لكل مبادئ الاحترام المتبادل بين الشعوب والدول، مخاطباً الملك سلمان بن عبد العزيز وهو قائد أحد أكبر البلاد الإسلامية ولها ما لها في قلوب المسلمين، أن ادفعوا أموالاً مقابل حمايتنا لكم ويكررها ثلاثاً. والثالثة كما قيل ثابتة، وقد ثبت بالفعل تعمد ترامب إهانة المملكة العربية السعودية. الرد السعودي المتأخر جداً جاء عن طريق الأمير الصاعد على ظهر السياسة الأمريكية الجديدة في التعامل مع الحلفاء. محمد بن سلمان وقد بدى الرجل متقبلاً النصح والنصيحة من الحليف العزيز على قلبه دونالد ترامب. لم يكد الناس يفيقون من لكمات ترامب السياسية الموجهة للأمير وأبيه حتى جاءت الصدمة الكبرى القادمة من مدينة اسطنبول التركية والتي صرفت إليها كل الأنظار هذا الأسبوع وستصرف إليها في بقية الأيام.

تناسى محمد بن سلمان أن الكلمة لا يمكن قتلها اليوم حتى لو مات صاحبها، ففي كل قناة سيجد صوت جمال، وفي كل صحيفة سيجد قلم خاشقجي، وفي كل مكان سيجد فكرة خاشقجي التي ستولد من رحم مأساة القنصلية.

كانت الساعة يومها تشير إلى الواحدة زوالاً بالتوقيت المحلي، حين توجه الكاتب الصحفي المعروف برجاحة عقله وسيلان حبره جمال خاشقجي إلى مقر السفارة السعودية باسطنبول، وقد ظن أن لا مكان في السفارات التي هي مستقر للدبلوماسية ومقرها للخطف وعمليات المافيا التي لا تليق بالدول مهما كان حجم ديكتاتوريتها. دخل جمال ولم يعد ومضت الساعات ولم يظهر وأصبح حديث الناس في كل وسائل العالم، وظلت المملكة تنكر وجوده في سفارتها. هذا إن لم تنكر أصلاً أنه دخل إلى السفارة، فقد بدى رد السفير السعودي على أسئلة وكالة رويتز بعيداً كل البعد عن المنطق والسياسة، وأقل ما يمكن بأن يوصف بالغباء حين تحدث عن كاميرات لا تلتقط الصورة ولا تُسجل. بعدها بأيام تسربت أنباء متضاربة عن تصفية بطريقة بشعة للصحفي السعودي وهي الفرضية الأرجح، وهو أمر لو ثبت فسيكون سابقة من نوعها لم تعرفها القنصليات منذ بداياتها.

فإلى جانب اغتيال حرية التعبير والصوت المعارض، ستكون الممكلة اغتالت السياسة والأعراف الدبلوماسية حين حول السفارات إلى سجون تشبه في أساليب تعاملها مع الناس سجون غوانتنامو وأبو غريب. فقضت على فكرة الدول وممثليها ودبلوماسييها وحولتهم إلى زعماء عصابات في فلم ممل يتمنى الجميع أن تخرج منه بلاد الحرمين بسلام. قضية جمال خاشقجي لم يغلق ملفها بعد، ولكنها أظهرت خوف الأمير محمد بن سلمان من أي صوت يختلف معه مهما كانت درجة الاختلاف ونقاط الالتقاء، وأظهرت ضعفاً كبيراً في العقول التي تدير بلداً بحجم السعودية، لها وزنها ونفطها وتاريخها ومقدساتها. ربما أراد الأمير الصاعد من خلال تصفية خاشقجي إرسال رسائل عديدة لمعارضيه وصرف الأنظار قليلاً عن إهانات ترامب لهم، وكذلك توريط نظام أوردغان وتوجيه ضربة سياسة له، حين حاول إظهاره في صورة الدولة الضعيفة من الناحية الأمنية والمخابراتية يسهل فيها تصفية المعارضة.

ولكن ابن سلمان المدلل تجاهل أو نسي أن العالم في الألفية الجديدة قد تغير كثيراً عن التسعينات أو الثمانيات، فما كان يمكن تفهمه بالأمس لم يعد مقبولاً اليوم، وزمن دول المافيات قد ولى إلى غير رجعة، فكيف سيتعامل العالم مع دولة تصفي معارضيها داخل قنصلياتهم؟ وحيث يجب أن يجدوا الأمان يُغتالون. تناسى محمد بن سلمان أن الكلمة لا يمكن قتلها اليوم حتى لو مات صاحبها، ففي كل قناة سيجد صوت جمال، وفي كل صحيفة سيجد قلم خاشقجي، وفي كل مكان سيجد فكرة خاشقجي التي ستولد من رحم مأساة القنصلية.

كما أن الأمير الذي يدعى أنه يطهر المملكة من الفكر الظلامي ويحارب التطرف والأفكار المتشددة طوال ثلاثين سنة مضت والكلام على لسانه وقد وعد بتدميرها تدميراً، ها هو نفسه ينتهج أسلوباً لا يختلف كثيراً عن أسلوب داعش في تصفية الناس لو صحت الرواية التي تمت بها تصفية جمال خاشقجي، فكيف يحارب الرجل فكراً هو صانعه؟ وكيف يعالج الطبيب مرضاً هو نفسه مصاب به؟ كل ما في الأمر أن محمد سلمان يبدوا متهوراً ويستمع لكلام الآخرين ممن سيردونه وبلده المهالك، وذلك تاريخ طويل عريض عن نهايات الدول والممالك، فليقرأه الأمير جيداً، فإلى أين سيقود محمد بن سلمان المملكة السعودية؟ أو على الأصح إلى أين تسير المملكة في ظل حكم محمد بن سلمان؟