شعار قسم مدونات

وانتصر الدّم على السّيف!

blogs جمال خاشقجي

على السّاعة الواحدة وأربعة عشر دقيقة من يوم الثلاثاء 2 أكتوبر الجاري دخل الأستاذ جمال خاشقجي قنصليّة بلده باسطنبول ولم يخرج، لتتواتر الأخبار على أن ّ جريمة بشعة فظيعة قذرة ارتكبت في حقّه كتلك الجرائم الّتي نشاهدها في أفلام الرّعب، ربّما كان يدور بخلد مرتكبيها بأنّهم سيسكتون صوتا وسيغيّبون صورة فإذا بالصّوت يعمّ الأرجاء والصّورة تنتشر في كل مكان وصار الشّهيد حيّا يطاردهم، يقضّ مضاجعهم ويزلزل كراسيهم كطائر فينيق ينهض من الرّماد، فكيف انتصر الدّم على السّيف؟

جريمة غبيّة

تبتدئ القصّة باستدراج الأستاذ جمال إلى قنصلية السّعودية بإسطنبول بعد أن وجّهه سفير السّعودية بالولايات المتّحدة الأمريكية بل ومنحه بعض التّطمينات ليعطى موعدا مع أنّ الورقة الشخصية الّتي يراد استخراجها لا تتطلّب مثل هذه التعقيدات وكأنّ أمرا كان يدبّر بليل.

في تمام الواحدة وأربعة عشر دقيقة دخل القنصلية، تاركا هاتفه الجوّال لدى خطيبته خديجة، تبادل الحديث مع القنصل في مكتبه قبل أن يتدخّل أشخاص آخرون قدموا إلى القنصلية في نفس اليوم على متن طائرتين خاصّتين تعود ملكيّتهما لوليّ العهد السّعودي، قدمتا إحداهما من وجهة الإمارات والأخرى من مصر، وعلى متنهما خمسة عشر فردا من ضبّاط جيش ومباحث وأطبّاء أحدهم مختصّ في الطبّ الشرعي والتشريح وآخر في التخدير، لترتفع الأصوات ويعلو الصّراخ ثمّ يحقن الأستاذ بمادّة مخدّرة وينقل إلى غرفة أخرى حيث تمّ تقطيع جثّته اربأ، ليعودوا من حيث أتوا بعد وقفة قصيرة في منزل القنصل.

قد يكونون تخلّصوا من الجثّة ووزّعوا أشلاءها بين الإمارات ومصر كدم تفرّق بين القبائل، هم اجتهدوا في إخفاء الدّلائل معتقدين أنّهم أتمّوا مهمّتهم على أكمل وجه لتدفن القصّة إلى الأبد لكن تناسوا أنّه لا توجد جريمة كاملة وأنّ كلّ ما قاموا به وقع تسجيله صوتا وصورة عبر ساعة أبل الّتي كان يحملها الضّحية وأنّ العالم أجمع سيشاهد ما اقترفوه من فظاعة تنمّ عن وحشيّة من نفّذ ومن خطّط وأمر بذلك.

أنظمة مستبدّة ذات سوابق
انتصر الأستاذ خاشقجي، الفرد الأعزل الّذي لا يملك سوى قلمه على كلّ آلة القمع الطّاغوتية بكلّ ما تملكه من قوّة وموارد، والسرّ الأكبر في انتصاره يكمن في صدقه واصطفافه إلى ما اعتقده أنّه الحقّ

كلّ الأنظمة الاستبدادية الفاشية لها رصيد وافر في تصفية معارضيها، ولا يكاد بلد من إرجاء وطننا العربي يخلو من قصّة تعذيب أو اختفاء قسري أو إعدام خارج القانون، ففي تونس زمن نظام المخلوع بن علي عذّب الشاب كمال المطماطي حتّى الموت وتخلّصوا من جثّته بوضعها في خراسنة عمود أحد الجسور بشارع الجمهورية بالعاصمة وكانت أمّه لسنوات تعدّ له زاده ليتسلّمه السجّان دون أن تراه وما كان يطمئنها أنّها كانت تتسلّم الأواني فارغة معتقدة أنّ ذلك دليل عافيته ووجوده لنكتشف أنّ الجلّادين كانوا هم من يأكلون بشراهة ما تعدّه الأمّ المكلومة لفلذه كبدها الموضوع في خراسنة عمود جسر بشارع جمهورية الرّعب والقمع. ومثل كمال عشرات آخرين عذّبوا وقتلوا بسبب آرائهم نذكر منهم على سبيل الذكر لا الحصر: فتحي الخياري، فيصل بركات، رشيد الشماخي،عامر دقاش، عبد العزيز المحواش، عبد الواحد عبيدلي، فتحي الوحيشي، سحنون الجوهري وعشرات آخرين دفعوا حياتهم ثمنا للحرّية.

والنّظام اللّيبي القديم كان له تاريخ طويل مع تصفية معارضيه وكان يتّخذ سفاراته مصيدة لمناوئيه في الخارج، لمن نجوا من سجن الدّاخل. وفي سوريا الّتي تعرف أبشع نظام فاشي في العصر الحديث مازال مستمرّا في ممارسة هواية القتل إلى يومنا هذا، أمّا في مصر فحدّث ولا حرج فزيادة على المجازر الّتي ارتكبها النّظام الانقلابي شملت آلة القمع حتّى من رقصوا على الجثث وساندوا الانقلاب. ومن المفيد الإشارة إلى أنّ عملية اختطاف الأستاذ جمال خاشقجي وتصفيته من قبل السّلطات السّعودية ليست الوحيدة في تاريخ مملكة الخوف، فعشرات من الأمراء وأصحاب الرأّي ممّن غرّدوا خارج السّرب كان لهم نفس المصير، فأين نواف بن طلال الرشيد، وعبد العزيز بن فهد وسلطان بن تركي وسعود بن سيف النصر وتركي بن بندر ومحمّد المفرج ووجدي عزاوي وناصر السّعيد وعشرات آخرين ممّن لا يعلم عن مصيرهم شيئا.

استهداف ممنهج أم غباء وجهل مقدّس؟

يبقى السّؤال المحيّر هو لماذا يقوم ذو عقل سليم بجريمة بمثل هذه الفظاعة والحماقة؟ ألم يكن من الممكن استهداف الأستاذ خاشقجي بشكل يبعد أصابع الاتّهام عن الفاعلين وبعيدا عن قنصلية بلده: حادث مفتعل، تسميم أو عن طريق قاتل محترف مأجور؟ أليس ذلك دليل على أنّها يمكن أن تكون مؤامرة تستهدف المملكة السّعودية قصد تفتيتها؟ تبقى الإمكانيّة واردة لكنّها مستبعدة في هذه الواقعة إذا ما تأكّدت المعلومة المسرّبة من أنّ مشهد الجريمة كان يصوّر ويسجّل ويرسل لوليّ العهد محمد بن سلمان الّذي كان يشرف بنفسه على العمليّة وهو ما يعني أنّنا لسنا أمام طاغية عادي بل سايكوباتي سادي مسكون بجنون العظمة وكمّ هائل من الغباء والجهل، من سيمنعه من فعل أيّ شيء؟ ومن يقدر على الحدّ من سلطته المطلقة الّتي يجب أن تطال كلّ شيء، المستمدّة من السّماء بشهادة كهنوت المعبد وأشباه العلماء؟

وكيف له أن يكتشف قبح فعله وله شيطانان على اليمين واليسار يوسوسان له ليلا نهارا وشيطان آخر من وراء البحار بيده كلّ قرار، ومن الملاحظ أنّ شياطينه الّتي دفعته إلى هو ما هو فيه انسحبت وتركته يواجه مصيره لوحده في تحقّق للآية الكريمة: "وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم"(سورة ابراهيم الآية 22).

الأستاذ خاشقجي هو مثال للشّهيد الحيّ، هو حيّ في قلوب كلّ من عرفوه وأحبّوه وقرؤوا له أو استمعوا إليه، كلماته مازالت تتردّد وأثر فعله مستمرّ وبقوّة أكبر وتأثيره صار أقوى
الأستاذ خاشقجي هو مثال للشّهيد الحيّ، هو حيّ في قلوب كلّ من عرفوه وأحبّوه وقرؤوا له أو استمعوا إليه، كلماته مازالت تتردّد وأثر فعله مستمرّ وبقوّة أكبر وتأثيره صار أقوى
 
لماذا انتصر الدّم على السّيف؟

انتصر الأستاذ خاشقجي، الفرد الأعزل الّذي لا يملك سوى قلمه على كلّ آلة القمع الطّاغوتية بكلّ ما تملكه من قوّة وموارد، والسرّ الأكبر في انتصاره يكمن في صدقه واصطفافه إلى ما اعتقده أنّه الحقّ، فلا يغرّنّك صخب أصوات الباطل وكثرتها، فصوت واحد صادع بالحقّ قادر على دحرها. انتصر الأستاذ بفضل احترامه لمبادئه، لاعتداله وموضوعيّته، ولمهنيّته الّتي أجبرت زملاءه على معاملته بالمثل فكان الإعلام الغربي مهنيّا حرفيّا كما لو لم يكن الضّحية عربيّا.

وقد ساعده في ذلك مهنيّة السّلطات التركية الّتي تعاملت مع الحدث برصانة كبيرة وجعلته مركز اهتمام كلّ العالم. أمّا الإعلام العربي فباستثناء قناة الجزيرة الّتي كانت ولا زالت شمسا مضيئة في مساحة العتمة، فقد اختار الصمت ودفن رأسه في الرّمل كالنّعامة، وهو يفسّر حرصهم الشّديد على إخراس صوت الجزيرة وكان مطلب غلقها ضمن أهمّ شروط دول الحصار لتسوية الأمة الخليجية المفتعلة. أثبت الأستاذ الشّهيد قوّة الكلمة والفكرة، فقد يموت من يحملها لتبقى هي حيّة لا تموت.

الأستاذ خاشقجي هو مثال للشّهيد الحيّ، هو حيّ في قلوب كلّ من عرفوه وأحبّوه وقرؤوا له أو استمعوا إليه، كلماته مازالت تتردّد وأثر فعله مستمرّ وبقوّة أكبر وتأثيره صار أقوى وكأنّ حدث تصفيته يمثّل منعرجا بارزا يفصل ما قبله وما بعده. هكذا انتصر مرّة أخرى الدّم على السّيف والله غالب على أمره. "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)". رحم الله الاستاذ جمال خاشقجي الّذي نحتسبه عند الله شهيدا ورزق أهله وذويه ومحبّيه جميل الصّبر والسّلوان.