شعار قسم مدونات

إصبع الاتهام يمكن ثنيه على "الأنا"!

إن لهجتكِ وطريقتكِ توحيان وكأنّما أنتِ الضحية! هذا لا يعجبني يا صاحبتي.. أنتِ المذنبة! فلتتذكري، لقد بدأتِ بأن غضبتِ من الناس والأوضاع، ولكنّكِ لم تفعلي شيئاً لكي يصبح هؤلاء وأولئك أفضل! أنت لم تقاومي الشر بينما أدركك التعب؛ فأنتِ لستِ ضحية الكفاح بل ضحية عجزكِ" أنطون تشيخوف.  قادتني كلمات تشيخوف هذه بقوة لأن أسحب نفسي من محطات الثابتين، فقد تمرجحني ذنوبي وخطاياي الآن، وربما أنني لست كما أظن! مؤخرًا أدركت بأنني اتخذت الكثير من القرارات، بناءً على شخصية افتراضية رسمتها تلك (الأنا)، الطاغيةُ على احتمالية الخطأ والتي تفترض دومًا بأن للطبيعة والأحداث والأشخاص والمواقف فرصة الإيذاء، دون أن تنظر من زاوية الإنسان المُتعثّر بذاته. فقد كنت أهربُ دومًا إذا ما كانت العاطفةُ كفيفة، وأقفزُ من جُبني خارج فوضى الاحتمالات ولا أواجِه، ويخيفني أي شكلٍ مغلق قد يجعلني أواجه نتيجة قراراتي.

لا أخفيكم سرًّا أن هذه الشخصية كانت مريحة وملفتة، إلا أنها كانت فارغة من اللوم والعتاب الداخليين، وهذا يعني البقاء بالنقطة ذاتها دون تقدم! هذا ليس جلدًا للذات، بل على العكس هذه لحظة وعي وإدراك تمنحنا جميعًا فرصة النظر مرة أخرى على حيواتنا، ليسأل كل واحدٍ منا في كل مرة: هل كنتُ سببًا فيما حدث؟! في عمر الخامسة تقريبًا في حياة الواحد منّا نبدأ بفهم القليل من مشاعرنا ومشاعر المحيطين، ولكن دون أن نفهم المبررات؛ فقد بكينا جدًا عندما لم نحصل على ما نريد، وألقينا اللوم على الآباء والأمهات والأهل، وكنا ببساطةٍ كأطفال، ضحية أي شيء بكينا لأجله!

نظرية التآمر وفوبيا عدم النجاة، وأن كل شيء سيفشل، هي مجرّد قناعات، يكتسبها الفرد بحكم الظروف التي يتعرض لها والتي قد نقلته إلى مرحلة عدم إدراك منطقي لما يمرّ به من حوادث

وامتدّ عمر الخامسة لما هو أكبر، وضلَّ ذلك الطفل ضحيةً، إلى أن وصل لِلّحظة التي بدأ فيها بفهم المبررات وإدراك الأعذار، فأصبح من الصعب عليه إلقاء اللوم، كل اللوم على المحيطين. وأصبح من الصعب أيضًا اتخاذ دور الضحية كما في كُل مرة.  ولكن البعض منا ودون أن يعلم قد يمنع نفسه من الخروج من دائرة الاتكالية الطفولية، وقد يتخذ رداء الضحية كسلاحٍ في حربٍ اختَلَقها هو مع الآخرين، وكآلية للدفاع عن نفسه؛ فبدأ بترتيب حياته ومبادئه على فكرة مفادها: أنّ لا أحد يمكنه فهم معاناته، وأن للجميع يد في حدوث هكذا معاناة. هل كنا ضحايا إذن؟! قد يلجأ الواحد منا ولو مرّة في حياته على الأقل لهذا الردّاء بحكم أنّه يمكِّن صاحبه من عدم تحمل المسؤولية وبالتالي إراحة الضمير والنأي بالذات عن التقريع.

 كما أن التعاطف الذي سيحظى به قد يغلق فجوات النقص في سلوكه. ومع أنه لا يثق بأحد، إلا أن كثرة من يشعرون بالذنب حوله فكرة مريحه بحد ذاتها؛ فكم من واحدٍ منا ألقى بالحجج الواهنة على الآخرين بإطار الشكوى والتذمر والبكاء. رغم أنه يعرف ذنبه وتقصيره في قرارة نفسه؟! هذا نابع من حاجة الإنسان بفطرته للحزن. ولكن حاجته للحزن تكون هنا حاجةً متضخّمة؛ فبالإضافة لكونه حزنًا مُختَلَقًا، فإن سبب حدوثه هم الأطراف الأخرى دومًا في نظر المُتَقمِّص للضحية.  ويمكن أن يكون الفرد ضحية حقًا حيث أن هذا الحزن يمكن أن يكون بسبب عثرات وأزمات قد واجهها الفرد في حياته وشكّلت شخصيته بهذه الحالة من اللاوعي. إلا أن هذه الانكسارات ليست سببًا في جعل المراحل القادمة مرتبطة بالكسر ذاته واللجوء الدائم فيها إلى الاعتقاد بأنها "ضحية كل شيء!"

قد يكون قرار المواجهة، أصعب القرارات التي يتخذها الإنسان لإزالة العقبات من طريقه، وسيكون من السهل في نظر بطل الضحية، مواجهة الأخرين فيما يخص المشاكل الذاتية وتحميلهم ذنب إخفاقه وتعثّره، بدلًا من مواجهة نفسه وسدّ ثغرات العجز في تقمّصه للحياة! هذا العجز الكامن في خفايا النفس، يمنعها من قول: "نعم، لقد أخفقت! نعم أنا غفلت عن هذه الخطوة، فوّتت فرصة لأني لم أدرب نفسي.. تلعثمت، لأني لم أرتب مفردات اللغة.. تراجعت، لأن عزيمتي ركيكة!".. فيبدو أن رمي الكرة إلى ملعب الأخرين قبل ثانية من الخسارة أمر أسهل وأكثر راحة لخلجات النفس! لا أدعوا للحكم بقسوة على الذات، ولكن إصبع الاتهام يمكن ثنيه على (الأنا).

نظرية التآمر وفوبيا عدم النجاة، وأن كل شيء سيفشل، هي مجرّد قناعات، يكتسبها الفرد بحكم الظروف التي يتعرض لها والتي قد نقلته إلى مرحلة عدم إدراك منطقي لما يمرّ به من حوادث. سيحتاج أولًا لأن يؤمن بإمكانية عدم صحة أفكاره وقابليتها للتغيير، ثم سيحتاج لجلسة مطوّلة مع ذاته يراجع فيها قراراته ونظرته للأمور من كل إبعادها، ويدحض فيها بطريقة منطقية كل ثرثرة في غير موضعها، فلربما قد يسأل نفسه حقًا: "هل كنتُ سببًا فيما حدث؟!".