شعار قسم مدونات

العاطفية المفرطة.. هكذا يمنعنا الخوف من ترك منطقة الراحة!

مدونات - العزلة وحيد خوف

وجدنا في هذه الحياة ونحن كائنات ميزها الخالق بالعقل والقدرة على التفكير على الرغم من أن الكثير يعتقد بأن له قدر محدد سوف يخطو خطاه تحت حجة أن الإنسان مسير في هذه الحياة وأن النصيب يلعب الدور الأكبر في معادلة المفاوضة على الفرص وأن أيديولوجية التفكير والمحاولة والمقاومة والسعي والتحدي ليس لها أي فائدة تذكر أمام سطوة وقوة القدر الذي يدّعونه والذي هو أكبر كذبة في تاريخ هذه البشرية.

إن هذا العالم في كثير من الأحيان يجعل المرء منا يشعر بالبؤس مما قد يعيشه من مفاهيم وعادات اجتماعية وثيوقراطية مفرطة قد تقودنا لتوجهات مختلفة عما نرغب به فعليا، وعندما أتحدث هنا فأنني أشير إلى رقعة كبيرة من المجتمع مقسمة إلى نصفين؛ نصف ثيوقراطي مورّد لمفاهيم القدر والخضوع له، وقسم أخر أطلق عليه الفئة التكنوقراطية والتي تسعى لتغيير كل تلك القيود والأخذ بيد المجتمع إلى مكانة أرقى وأفضل إلا أنها فئة قليلة ضئيلة ضعيفة لا تزال تقاوم تحت أنقاض الأفكار الرجعية ومناطق الراحة التي تدعو لها الطبقات الأخرى للعيش بسلام والوصول للموت بسلام أيضا.

قد يستغرب الكثير من أن دول الشرق إجمالا تورّد للعالم مؤخرا أقل الموارد البشرية قيمة وهو شيء مثير للحزن ومحبط جدا على الرغم من أن العقل البشري قد تم توزيعه بالتساوي على جميع أقطار هذا العالم وعلى الرغم من الثورة التكنولوجية على شبكة الإنترنت بحيث أصبح العلم متداول بشكل أكبر ويمكن الحصول على أي معلومة بيسر وسهولة، كما يمكن لك التواصل مع أي شخص في أي مجال وأي مكان كان وأنت تجلس على جهازك المحمول في غرفة منزلك.

نحتفل بعاطفة مغدقة بنجاح أبناءنا في الثانوية العامة ولكننا نمنعهم من المغامرة والسفر إلى الخارج للوصول بذلك النجاح الهزيل الضئيل إلى أماكن أرقى وأرفع

بيد أنني أتحدث الأن عن مواضيع عديدة من الخضوع للقدر وسيطرة الثيوقراطية في الشرق ومما قد يكون واضحا هو الانزعاج الكبير تجاه قضية قصور العلماء والعظماء على دول العالم كافة بشكل كبير إلا الشرق الذي يأخذ حصة صغيرة من العظمة وعلى الرغم من أهمية هذا الموضوع إلا أنني أكاد أكون متأكدة من غضب العديد من الأشخاص خلال قراءتهم لهذا المقال وتركتهم للقضية الأساسية التي أتحدث فيها.

 

وأريد أن أبشرهم بأنهم إن استشاطوا غضبا خلال تحدثي عن القدر واتهامي له بأنه أكبر كذبة في تاريخ البشرية فأنتم حتما من تلك الفئة الثيوقراطية التي تورد البؤس والفشل للمجتمع بل العالم أجمع، وأجزم هنا أن لا أحد منكم قد حاول يوما ما أن يكتب في محرك البحث (جوجل) كلمة القدر ويبحث عن مفهومه الحقيقي، وهذا ما نعانيه في هذه الحياة الضيقة في الشرق، العاطفة المفرطة تجاه أشياء لا نعرف ماهيتها ولا نعرف حقيقتها، نطبق فيها ما هو متداول في العامة فقط، نجري خلف خزعبلات لا وجود لها موقنين أن الشخص الذي يجلس في منزله ويقبل بأقل القليل في هذه الحياة هو يستحق حياة أخرة أفضل من تاكيو أوساهيرا، مهندس المحرك الميكانيكي.

إننا نحتفل بعاطفة مغدقة بنجاح أبناءنا في الثانوية العامة ولكننا نمنعهم من المغامرة والسفر إلى الخارج للوصول بذلك النجاح الهزيل الضئيل إلى أماكن أرقى وأرفع، نفرح بحصولهم على شهادة جامعية لكننا ندفن طموحاتهم بالخروج إلى دول الغرب للتعاون مع مؤسسات قد تدعم تلك الشهادة وتظهرها إلى النور، نكون سعيدين جدا بوجود أبناءنا حولنا ولا نحبذ أن يغامروا بتوقيع عقد عمل خارج البلاد قد يكّون لهم فرصة حقيقية في هذه الحياة، إن عاطفتنا تجعلنا نحبذ بقاءهم أمام أعيننا وتحت رعايتنا الوهمية التي ندعيها، تماما كادعائنا بأن من يملك المال لا يعيش حياة سعيدة ويملك من الهموم ما يجعله لا يستمتع في حياته، لا يستمتع بها كما تستمتع بها البروليتاريا التي تكاد تختنق تحت وطأة الاقتصاد العالمي وسياساته.

 

خوفنا من مفارقة الوطن والأشخاص والخروج للبحث عن فرصة حقيقية يمنعنا أيضا من الحياة، خوفنا من التضحية سيجعلنا ندفع الثمن غاليا أكثر مما كنا نتخيل
خوفنا من مفارقة الوطن والأشخاص والخروج للبحث عن فرصة حقيقية يمنعنا أيضا من الحياة، خوفنا من التضحية سيجعلنا ندفع الثمن غاليا أكثر مما كنا نتخيل
 

عاطفتنا الشرقية أحيانا قد تمنعنا من المجازفة للحصول على فرصة عظيمة لأننا نريد أن نبقى هنا في هذا الحي الذي ولدنا وترعرعنا في أزقته مع أننا نعلم جيدا بأن ثقة العاطفة شهر وثقة العقل دهر وأن الإرادة التي لا تتغلب على العاطفة تنهار وتفشل في حياتنا الطويلة الأمد؛ حياتنا التي تستحق أكثر بكثير مما نمنحها إياه، حياتنا التي يسرقها خوفنا من الخروج من منطقة الراحة التي نحياها، يسرقها خوفنا من مواجهة الثيوقراطية والبروليتاريا التي تريدنا أن نختنق معها لنحصل على نصيبنا من الجنة.

 

خوفنا من مفارقة الوطن والأشخاص والخروج للبحث عن فرصة حقيقية يمنعنا أيضا من الحياة، خوفنا من التضحية سيجعلنا ندفع الثمن غاليا أكثر مما كنا نتخيل، عاطفتنا وخوفنا من مواجهة دموع أمهاتنا عند حزم أمتعة السفر للبحث في قضية علمية مثيرة للاهتمام سيجعلنا نجلس معها طيلة الوقت دون الوصول إلى ذاتنا الحقيقية، دون التعرف على السر الحقيقي للحياة، دون المساهمة في عمارة الأرض التي هي السبب الأهم والرئيس لخلقنا، أتعتقد أن الله تعالى عندما قال في محكم كتابه: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ)، قد كان يقصد المسجد الحرام تحديدا؟