أردوغان والقس الأمريكي.. هل رضخت تركيا للضغوطات الاقتصادية!

blogs القس برونسون

أثار قرار إحدى المحاكم التركية الإفراج عن القس الأمريكي "برانسون" ردود فعل مختلفة، بين مدافع عن أردوغان ومهاجم له، لا سيما مع تزامن حدث الإفراج عن القس مع قضية تصفية الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول. وقد حاول الإعلام الموالي لدول الثورة المضادة استغلال حدث الإفراج عن القس الأمريكي للتغطية على حدث اختفاء وتصفية جمال خاشقجي، والإيحاء بوجود صفقة تركية-أمريكية، عنوانها العريض خاشقجي مقابل "برانسون"، ووصف الإفراج بالفضيحة السياسية لأردوغان.

لكن المتتبع لأزمة العلاقات الأمريكية-التركية على خلفية القس "برانسون"، سيستنتج أن إطلاق سراح القس بدأ الحديث عنه منذ مدة؛ حيث كان موعد نظر المحكمة في القضية معروفا منذ فترة، وكان غالبية المتتبعين يعتقدون بإطلاق سراح القس الأمريكي؛ وهو ما يستشف من تراجع حدة التصريحات والتصريحات المضادة بين المسؤولين الأتراك والأمريكيين منذ مدة.

فالرئيس الأمريكي ترمب حاول استغلال تراجع الليرة التركية لفرض تدابيره الاقتصادية بحق تركيا، في حين حاول أردوغان استغلال تلك التدابير الأمريكية للتغطية على الأسباب الحقيقية لأزمة العملة المحلية، وهي الأزمة التي تعود لما قبل فرض ترمب لتدابيره وعقوباته الاقتصادية ضد تركيا.

في سويسرا قام القضاء سنة 2008 بالإفراج عن نجل القذافي "هنيبعل" وزوجته، بعد القبض عليهما بتهمة الاعتداء على خادميهما، وقد جاء الإفراج نتيجة للضغط الليبي الذي وصل حد التهديد بوقف إمدادات النفط

وفي اعتقادنا أن إقدام المحكمة التركية على إطلاق سراح القس الأمريكي كان بطلب حكومي، وإن غلف بغلاف استقلالية القضاء التركي، ويكفي الاستشهاد هنا بحادثة الإفراج عن جنديين يونانيين بوساطة قطرية إبان فترة اندلاع الأزمة التركية-الأمريكية حول القس المحتجز. وتركيا ليست بدعا من مجموعة من الدول، ومن بينها بعض الدول العظمى، فعندما تتعرض المصالح الاقتصادية للدول للخطر، لابد من التدخل وتقديم تنازلات حفاظا على المصالح العليا للبلد.

ففي سنة 1991 قام الرئيس الفرنسي الأسبق "فرانسوا ميتران" تحت ضغط إيراني قوي بالعفو عن "أنيس النقاش" ومجموعة من المعتقلين معه، بالرغم من أن "النقاش" اعتقل وحكم بالمؤبد لمشاركته سنة 1980 في محاولة اغتيال رئيس وزراء إيران في عهد الشاه "شهبور بختيار"، وبالرغم من السجل الحافل لأنيس النقاش في أعمال الاختطاف والاحتجاز، والتي كانت أشهرها سنة 1975، حين قام بالمشاركة في اقتحام مقر منظمة "أوبك" في العاصمة "فيينا" واحتجاز الوزراء المجتمعين، قبل الافراج عنهم بوساطة جزائرية، مقابل السماح للمختطفين بمغادرة البلاد.

كما قام القضاء الفرنسي سنة 2010 بالإفراج عن الإيراني "علي وكيلي راد" المدان بالمؤبد لاتهامه بقتل "شهبور بختيار" سنة 1991 أسابيع قليلة بعد الإفراج عن "أنيس النقاش"، وقد جاء الإفراج عن "علي وكليلي" أياما معدودة بعد إفراج السلطات الإيرانية عن الأستاذة الفرنسية "كلوتيلد رييس" التي اعتقلت في ايران بتهمة التجسس، بعد مشاركتها في المظاهرات الرافضة لإعادة انتخاب أحمدي نجاد رئيسا للجمهورية الإسلامية.

وفي أكتوبر 2007 رفض القضاء الفرنسي متابعة وزير الدفاع الأمريكي الأسبق "دونالد رامسفيلد" بتهمة التعذيب، أثناء زيارته لفرنسا؛ وتذرع القضاء الفرنسي بالحصانة القضائية لرؤساء الدول والحكومات ووزراء الخارجية، بالرغم من أن وزير الدفاع لا يحظى بموجب القانون الدولي بنفس الحصانة، وبالرغم من أن "رامسفيلد" لم يعد في تلك الفترة يتقلد أي مسؤولية حكومية.

وفي سويسرا قام القضاء سنة 2008 بالإفراج عن نجل القذافي "هنيبعل" وزوجته، بعد القبض عليهما بتهمة الاعتداء على خادميهما، وقد جاء الإفراج نتيجة للضغط الليبي الذي وصل حد التهديد بوقف إمدادات النفط الليبي عن سويسرا، والذي يعتبر المصدر الرئيسي لسويسرا من هذه المادة. بل إن السلطات السويسرية قامت بتعويض نجل القذافي بأزيد من مليون دولار، بسبب الصور التي نشرتها له الصحافة أثناء الاعتقال.

أردوغان هو سياسي محنك وداهية، هدفه الأساسي هو حماية مصالح تركيا، وتقديمها على ما سواها، وهو شخصية برغماتية، يعرف متى يصعد ومتى يتراجع
أردوغان هو سياسي محنك وداهية، هدفه الأساسي هو حماية مصالح تركيا، وتقديمها على ما سواها، وهو شخصية برغماتية، يعرف متى يصعد ومتى يتراجع
 

وتبقى قضية صفقة اليمامة أشهر قضية على تداخل السياسة والقضاء، ففي سنة 2006 قام المدعي العام البريطاني بإغلاق التحقيق في تلقي المسؤولين السعوديين لرشاوى مالية كبيرة، وكان من بينهم السفير السعودي في بريطانيا في تلك الفترة بندر بن سلطان، والذي تلقى بحسب الاعلام البريطاني رشاوي مالية بلغت ملياري دولار، مقابل شراء السعودية لأزيد من 100 طائرة حربية بقيمة مالية بلغت 56 مليار دولار.

وقد برر النائب العام البريطاني قرار إغلاق التحقيق بأسباب تتعلق بحماية الأمن القومي، بعد تهديد السعودية بوقف تعاونها الأمني مع بريطانيا في مجال مكافحة الإرهاب، لكن السبب الحقيقي يعود لتهديد السعودية بإلغاء الجزء النهائي من الصفقة، والمتعلق بشراء 72 طائرة حربية، والتي تبلغ قيمتها ملايين الجنيهات، في حال استمرار الحكومة البريطانية في تحقيقات الفساد في الصفقة.

والخلاصة التي نصل إليها أن أردوغان هو سياسي محنك وداهية، هدفه الأساسي هو حماية مصالح تركيا، وتقديمها على ما سواها، وأنه شخصية برغماتية، يعرف متى يصعد ومتى يتراجع ويقدم التنازلات؛ فحين بلغت علاقته مع روسيا مستوى غير مسبوق من التوتر بعد إسقاط الطائرة الروسية، قام بالاعتذار عن إسقاط الطائرة. وبعد تراجع الثورة السورية في جدول أعمال الدول الغربية، وقيام الولايات المتحدة بدعم أكراد سوريا، قام أردوغان بإعادة ربط العلاقات مع روسيا وإيران بشكل وثيق، كما قام خلال الأزمة مع الولايات المتحدة بتقوية العلاقات مع ألمانيا والدول الأوربية، بعد سلسلة من التوتر في تلك العلاقات، خصوصا مع ألمانيا، والتي بلغت حدة التوتر بينهما حد اتهام أردوغان لميركل بالقيام بممارسات نازية. فمتى يتعلم القادة العرب من نظرائهم الأتراك كيفية الدفاع عن مصالح شعوبهم وأوطانهم؟