مكان عملي.. ثكنةٌ عسكريّة أم مُعتقل؟!

blogs ثكنة

في اليومِ الثامن من شهرِ تشرين الأوّل بدأتُ العمل في شركةٍ جديدة في مكان إقامتي في الرياض، وهي شركة إسبانيّة كانت قد أخذتْ عقد تنفيذ الأعمال الميكانيكية والكهربائية لمترو الرياض، وهي أحد الشركات الرائدة في هذا المجال، وعلى كلِّ حال، فلستُ بصددِ الحديث عمّا تنتجه أو تقومِ به من أعمال، وإنّما كلامي سيدور حولَ ما خبرته في أوّل يومٍ لي في حيّزِ العمل المُصَمّم من قِبلهم، وما جالَ في خاطري في أوّل لحظةٍ وضعتُ فيها قدمي على أرضهم الكائنة بجانب مطار الملك خالد الدولي.

وكي لا يُساء فهمي، سأورد الآتي: أنا لستُ جاحداً لنعمِ الله عليّ مثلاً ومنها هذا العمل! ولستُ ضارباً بها عرضَ الحائط! لا، حاشا وكلّا، بلْ عزمتُ على توضيح ما دار في عقلي وما يدور حتّى هذه اللحظة حينَ رأيتُ تصميمَ هذا المكان، والذي بلا شكّ قدْ صُمّمَ بطريقةٍ من شأنها دبُّ الرُعبِ -إلى حدٍّ ما- وبطريقة غير مُباشرة وذكيةٍ بالطبع في قلبِ كائنٍ منْ كان في لحظةِ دخوله لثكنتهم أو مُعتقلهم! ولا زلتُ في حيرةٍ منْ أمري بخصوص التسميّة، ولعلّي سأصلُ لمبتغاي وأعتمدُ الوصفَ الذي يحملُ منطقاً أكثرَ واصفاً هذا المكان في نهاية هذا المقال البسيط.

في الساعةِ السادسة والنصف صباحاً وصلتُ مكان العمل، ملقياً التحيّة على اثنين من رجالِ الأمن والذي يتمُّ توظيفهم من شركات أمن خاصّة تحترف هذا المجال، ومن هنا كانتْ أوّل الومضات! فقدْ كان يلبس رجل الأمن زيّاً بنّيَ اللون، وبسطاراً عسكريّ! تماماً كالجندي في جيش! باختلاف شيءٍ واحدٍ فقط، ألا وهو شعارُ الشركة على هذا الزيّ! وإنْ لم يُوجد هذا الشِعار لحسبتَ أنَّ الأمن هو عسكري ويُدار من قِبل الجيش! وكما أسلفتُ قائلاً: أنّ هذه كانت أوّل الومضات، لذلك لمْ آبه كثيراً بها، ولمْ تشغلني كثيراً، أو بمعنى آخر لمْ تكنْ ومضةً جديرة لكي تُستحقّ الفكرة وتأخذْ مداها في عقلي! تابعتُ مسيري إلى الداخل، وكيْ لا أنسى فقدْ دخلت في حوار سريع مع رجلِ الأمن فحواها كانتْ في عدم وجود تصريحٍ للدخول! وبما أنني مستجدّ ولا أملكُ هذا التصريح! اضّطرَ الرجل للسماحِ لي بالدخول عطفاً منه ومحبّةً! وهذا ما بدا عليه والله أعلمُ بالسرائر.

الغرب المُبدع لم يكتفي بتصوير الاستعمار بمعتقل أو ثكنة، وإنّما يزجون بشركاتهم وأفرادهم ليعملوا في دولنا كرؤساء! أمّا نحن فنعمل عندهم وتحت إدارتهم! حتّى أنَّ من يتفوق عليهم ويعلو فسوف تتم إزالته على الفور

وصلتُ إلى موقعِ المكاتب، ومن هنا كانتْ الومضةُ الثانية، وقدْ تمثّلتْ في سياجٍ يُحيط بكافّة المكاتب وما يتبعها من مرافق خاصّة بمكان العمل! والشِقُّ الثاني كانَ في البوابات الحديدية الالكترونيّة والتي لا تفتح إلّا باستخدام بطاقة مُمغنطة يتمُّ إصدارها من قِبلهم كهويّة للشخص العامل عندهم! وهذه البوابات رجعتْ بي سنوات وسنوات إلى الوراء، وتحديداً عندما كنتُ طفلاً يعبرُ مع والديه إلى الضفّة الغربية من خلال جسر الملك حسين في الأردن، وقدْ كانت هذه البوابات هي السبب الرئيس لاستحقاق فكرة المقال في المقام الأوّل! وصورة المكان في مخيلتي كانتْ صورة استبدادية ولمْ تكنْ صورة لشكل من أشكال التنظيم والضبط والربط! فالكثير منّا سيُعطي المكان صفة نظاميّة لا بأس بها، وأنَّ هذا شكل من أشكال ربط العاملين ومراقبتهم! ولكنّني رأيتها بطريقة المستبدّ وسجّانه! رأيتها أيضاً ثكنة ومعسكر! هي بالنسبةِ لي لوحة فنية، وقدْ فهمتها على طريقتي البسيطة.

كلُّ الذي مضى من أوصاف لمْ يكنْ كفيلاً بشكلٍ مُطلق لإقناعي تماماً، ولكنْ هناك بعض الحُجج ظهرت في اليوم الثاني والثالث، وكشفت عن وجهها قائلةً لي: الأمرُ جلل! ويكفيني شخصٌ واحد كي يحملني ويتبناني بعدها، كي أتفاخرُ اتضاحاً في عيونِ القُرّاء! وللبيان والتجلّي أكثر، فحديثي مع شخصٍ أمضى السنتين تقريباً في هذه الشركة هو ما كشف عن وجهِ هذه الحُجج! فقدْ قالَ لي أنَّ الخروج لساعةٍ على الأكثر يتطلّبُ تحضيراً لمدة أسبوعين كي تتمُّ الموافقة على مغادرةِ مُعتقلنا أو ثكنتنا العسكريّةِ هذه! ومن أجلِ الأمانة، فهذا الشخص هو الذي دفعني لكتابة هذا المقال، وذلك لأنّه يحمل نفس التصوّر، وعندما حدّثني وسألني عن رأيي في المكان، قال حينها: ألا تراه كمعتقل غوانتانامو؟!

كانَ وصفه مُضحكاً لحظةَ سماعي له! ولكنّه وافقَ ما تصورته أيضاً، الأمر الذي حمّسَني إلى وضعِ النقاط على الحروفِ وبناءَ مقالٍ كاملٍ يحملُ الحجر الأساس لهذا التصوّر! كلُّ ما ذكرته واصفاً هذا المكان وما يحمله من صور استبدادية سلطوية ليست من فراغٍ بالمرّة، وإنّما هذه حقيقة مُرّة سيدركها كل من تعمّق قليلاً في الصورة الكاملة لتصميم وبناء مكان العمل هذا! وكلُّ هذه اللمسات تلعب دورها كما خُطّطَ لها، فمثلُ هذه الخُطط تتسلل إلى لا وعي الإنسان دون أنْ يدري! هي صُممت لخلق الصورة المثالية الوهمية! وفي المقابل تخلق في اللاوعي صورة للرُعب والقمع دون أن يعيها الإنسان إلّا إذا كان من ثُلّة النقّاد ورأى من زاوية مغايرة للواقع!

والآن سأُورد النتيجة من هذا كلٍّه، والتي طالما كانتْ نُكتة القرن بالنسبةِ لي! والتي تحتفل بها أنظمتنا كلَّ سنة! ألا وهي الاستقلال! ودائماً ما كنتُ أضحك حتّى البُكاء مما يُسمّى استقلال! عن أيِّ استقلالٍ تتحدثون؟ وكلُّ ما يُحيط بنا هو استعمار خفي وذكي في نفسِ الوقت، ولعلَّ قصتي التي سردتها هنا أحد الصور على هذا الاستعمار، فالغرب المُبدع لم يكتفي بتصوير الاستعمار بمعتقل أو ثكنة، وإنّما يزجون بشركاتهم وأفرادهم ليعملوا في دولنا كرؤساء! أمّا نحن فنعمل عندهم وتحت إدارتهم! حتّى أنَّ من يتفوق عليهم ويعلو فسوف تتم إزالته على الفور! إنَّ أحد القوانين في العمل مع هؤلاء، هي العمل المُطيع فقط، أو بمعنى آخر دون نقاش أو إبداء رأي! فهذا لا يُعجبهم البتّة!

البعض سيراني أهذي أو أُبالغ في وصفِ الحالة والكينونة التي تحملها هذه الحالة! ولكنّني اعتدتُ على طرحِ ما يُخالف النظرة المُعتادة للأمور! آملاً بهذا أنْ آتي بشيءٍ جديد، حتّى لو كانَ بسيطاً، وعلى جانبٍ آخر أرى في تضارب العقول ثابتاً على طولِ الخطّ! فهو الذي يصل إلى الحقّ إنْ أردناه فعلاً! وليس من أجلِ التنظير والظُهور فقط! فقدْ طرحتُ رأيي هنا وعرضتُ تصوّراً فهمته بطريقتي المتمرّدة، وليس بالضرورة أنْ أكون مُصيباً! فرأيي خطأ يحتملُ الصواب ورأيُ غيري صواب يحتمل الخطأ كما قال إمامنا الشافعي! ولكنّني على يقين أنّني في مُعتقلٍ لحاكمٍ وسجّان بصورةٍ أنيقة تُدرُّ الأموال على محكوميها.