مزرعة الحيوان.. هكذا تعبر رواية عن أزمتنا في العالم العربي

blogs مزرعة الحيوان

جورج أورويل صحفي وروائي بريطاني، كان ضابطاً في الوحدات الهندية الإمبراطورية، وفي عام 2008م وضعته صحيفة التايمز في المرتبة الثانية في قائمة "أعظم 50 كاتب بريطاني منذ عام 1945" وهو صاحب مقولة "لن يثوروا حتى يعوا ولن يعوا حتى يثوروا". ذاعَ صيته عندما نُشرت له رواية مزرعة الحيوان وقد بِيع منها أكثر من مليوني نسخة، تدور أحداث الرواية في مزرعة للحيوانات التي قررت أن تثور على صاحبها الظالم المستبد والذي ينتفع بها وبعملها وحليبها وبيضها ثم يذبحها بدون شفقة ولا رحمة ثم يأكل لحمها.

يهبُّ "ماجور" الخنزير العجوز، صاحب الحكمة والمهابة، ليُوقظ الحيوانات من سُباتها ويُنبهها إلى حقها المسلوب ويُلهب حماسها إلى الثورة والانتقام، كما في كلِّ الثورات يلقي البعض بشرارة فكرة يتحمس وينفعل لها البعض ويهبّ الجميع لتحقيق إرادةِ شخصٍ صادقٍ واحد، تماماً مثلما انطلقت أولى الهتافات وأولى الشعارات والأناشيد في ثوراتنا التي تختصر الفكرة في بضع كلمات "الله سورية حرية وبس" "الشعب يريد إسقاط النظام".

وينتفض المظلومون، يقدمون التضحيات والدماء، يموت الأبناء وتكثر الثكالى ويستشهد أبي فلان وأخ فلان وآخر يفقد كل رحمه، ويذهب الكثير، ولكن الفكرة تبقى، وكلما سُقيت دماءً وتضحياتٍ نمت وأينعت ثماراً مباركةً تُبشّر بالنصر وتحقيق الأهداف، ذات يومٍ حدثتني احدى الثكالى – أماً لشهيد – في فكرةِ الثورة قالت: إنَّ صدقُكِ في فكرةٍ ما لا يُقاس بمدى حديثكِ عنها وتنظيركِ لها، إنما يقاس بحجم التضحيات التي بذلتها في سبيلها، ولذلك نجد الفاقدين والمكلومين أشدُّ صدقاً وحماساً للثورة ممن لم يخسر شيئاً أبداً.

طبيعي جداً أن تبدأ الثورات بغايات نبيلة وأهداف سامية ولكن نجاحها ونتائجها مرهونة بوعي الشعوب الحامية والقائدة لها. ولا أدري لم رأيتُ شعوبنا العربية في رحاب تلك المزرعة!

يموتُ ماجور، وتنتصر الثورة من بعده، وتتم، وتَهزمُ الحيوانات مستر جونز صاحب المزرعة، وترفع رايات النصر، سعيدة وفخورة بإنجازها، ويدوم اجتماعها في وحدة قوية يملؤها دفء الأمان والشعور باليد الواحدة والقلب الواحد. وخلال ذلك يظهر من بينها من يتولى القيادة والتخطيط للقطيع، ممن فطروا بتلك الميزات التي تجعل الناس ينقادون لهم، الخنزيرين سنوبول ونابليون، ولما كانت السلطة لا تحتمل القسمة ينقلب نابليون على سنوبول بمساعدة كلاب المزرعة التي تكفل هو برعايتها، وتربيتها على الانقياد والطاعة العمياء.

وقد تطابقت شخصيات الرواية مع أدوارها بشكلٍ عجيب فالخنزير قائداً أو القائد خنزيراً والكلاب حاشيته أو حاشيته كلاباً أمّا نابليون فقد حقق كل الشروط التي تؤهله ليكون حاكماً عربياً من الدرجة الأولى، إذ يُقرر أن على الحيوانات أن تتجه إلى العمل والكد، وألا ترهق نفسها في التفكير فيما لا يعنيها من شؤون المزرعة وإدارتها، المبدأ الفرعوني ذاته يعود بخفية (مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ) لكنها خفية لا تخفى على من يدرك ويعي طبيعة الحكم والسلطة وغرائز النفس البشرية في التفاعل والتطور معها، حيث يبدأ في الانسلال من القوانين والوصايا التي وضعتها الحيوانات لنفسها في ألا تتعامل مع البشر، ولا ترتدي الملابس، ولا تشرب الخمر، ولا يقتل حيوانٌ حيواناً آخر، وكل الحيوانات سواسية، ومع مرور الأيام والسنوات يظهر تحريف هذه الوصايا بشكل تدريجي، ويتم قمع كل من يعارض هذه الاجراءات من قِبَل آل الخنازير، ويتم قتل الكثير من الحيوانات التي بقيت مخلصة لمبادئ الثورة الأولى، على إِثر حملات من التخوين والاتهامات.

كم من البشر المجهولين في التاريخ، المنسيين الذي لم تُذكر أسماؤهم، لا يعلم أحد بمعاناتهم وإنجازاتهم التي رُميت لتُنسب إلى شخص واحد واسم واحد لم يُرد من ذلك إلا أن يُحمد بما لم يفعل
كم من البشر المجهولين في التاريخ، المنسيين الذي لم تُذكر أسماؤهم، لا يعلم أحد بمعاناتهم وإنجازاتهم التي رُميت لتُنسب إلى شخص واحد واسم واحد لم يُرد من ذلك إلا أن يُحمد بما لم يفعل
 

تقف كلوفر، زوجة الحصان بوكسر الذي أفنى نفسه في سبيل العمل والبناء باسم الثورة، ثم يتم بيعه للجزار بعد أن فقد قوته وشبابه، تنظر كلوفر من أعلى الربوة وعيناها مبللتان بالدموع، لا تملك أن تعبر عما يجيش بخاطرها، الذي يبصر أن الثورة التي عملت الحيوانات من أجلها قد ضلت عن غايتها، وأن المجازر والدماء التي مرت بها بعد انتصار الثورة ما كانت لتخطر لها على بال حين كان ماجور العجوز يخطب بها ويحرضها على الثورة، ويحدثها عن مستقبل مشرق، ومجتمع سعيد، تحررت فيه من قيودها وخوفها، وحرزت فيه حريتها ومساواتها، مجتمع يحمي فيه القوي الضعيف، ينتصر فيه الحق على الباطل، وتُؤثَر فيه المبادئ والقوانين على النفوس ورغباتها، ثم ها هي ذي ثورتها المنتصرة، لا تحصل فيها الحيوانات على نصف ما كانت تحصل عليه من حقوقها أيام حكم الإنسان – مستر جونز – والكلاب المفترسة تجول بينها، وها هي ذي أجساد رفاقها وإخوتها الممزقة أمام عينها. وهكذا تتحول القيادة شيئا فشيئا إلى سيادة ثم إلى سلطة فتسلط فاستبداد حين تخضع الشعوب وتستسلم للواقع وتنعدم الرقابة على السلطة نهائيا.

من يقرأ الرواية ويشهد عمل الحيوانات وكدها وصبرها لبناء الطاحونة الذي يهدف إلى جلب الراحة والارتقاء وتسهيل الحياة على الحيوانات في المزرعة، ويرى إصرارها على بنائها مرة بعد مرة، وكفاحها وتضحيتها في سبيل ذلك بالكثير وقبولها بالتقشف والقلة من أجل بناء تلك الطاحونة، ثم يأتي نابليون ليطلق عليها اسم "طاحونة نابليون" يعلم كم من البشر المجهولين في التاريخ، المنسيين الذي لم تُذكر أسماؤهم، لا يعلم أحد بمعاناتهم وإنجازاتهم التي رُميت لتُنسب إلى شخص واحد واسم واحد لم يُرد من ذلك إلا أن يُحمد بما لم يفعل، فيقال ثورة فلان، ومدينة فلان، وبناء فلان، فلا تحسبنهم بمفازةٍ من العذاب.

طبيعي جداً أن تبدأ الثورات بغايات نبيلة وأهداف سامية ولكن نجاحها ونتائجها مرهونة بوعي الشعوب الحامية والقائدة لها. لا أدري لم رأيتُ شعوبنا العربية في رحاب تلك المزرعة، تعمل بجد وصدق تجتهد وتتعب، لكنه التعب البدني المجرد، نعم نستطيع أن نثور وننتصر ونحقق ما نريد ولكن لماذا دائما نثور على الشخص الذي يمثل الفكرة ولا نثور على الفكرة بذاتها، نثور على المستبدين وننسى أن نثور على الاستبداد والظلم نفسه.