علماء الدين.. هل نقدسم أم نزدريهم؟

blogs علماء الدين

هل حقيقة أن علماء الدين في عالمنا الإسلامي ينتحلون قداسة الدين عن قصد ويحققون بها مآربهم؟ أم أن الناس هم من يلبسونهم تلك القداسة باحترامهم المفرط لهم؟ مما يدفع بالبعض إلى ازدراء هؤلاء العلماء كرد فعل مغال فيه ناتج عن الغلو الحاصل في الطرف الآخر؟! إشكالية لها وقع في أوساطنا المعمورة، نحاول في هذا المقال أن نسلط الضوء عليها مبرزين أسبابها وبعض مظاهرها المنتشرة في كل البقاع الإسلامية، مقترحين بعض الحلول المناسبة للقضاء عليها والخروج من مستنقعها الآسن.

طبعا إنني لا أميل إطلاقا إلى تزكية هذه الفئة من البشر كما أنني لا أصفهم بأوصاف دنيئة تستدعي مقتهم وازدراءهم، بل إنني أقف وسطا بين الأمرين وأحسبهم  ناسا مثل باقي الناس؛ من حيث أصلهم الطبيعي الذي ألهم من الهداية والتقى بقدر ما ألهم من الفجور والعصيان، بدليل قرآني صريح: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها" كذلك قول الله تعالى: "ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين" فبما أن كل نفس -كيفما كان حالها- لها قابلية للخير والصلاح بقدر قابليتها للشر والفساد فإن اعتقاد الخيرية المحضة في هذه الفئة عدول عن الصواب، رغم ما هنالك مما يتلقونه من توجيههم الشرعي القويم الذي ربما يرجح جانبهم الخيري، كما قال الرسول الكريم: "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة".

بيد أن هذا الترجيح لخيريتهم مبني على ما إذا كان توجيههم ربانيا حقا وصدقا، مشحونا بالرحمة والمحبة، منزها عن كل أغلال التعصب الطائفي والمذهبي المقيت، ممثلا لقول الله تعالى: "كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون" ومجسدا لقول العلماء الأقدمين: "كل علم ليس تحته عمل فهو باطل"، وإلا فلن يكون لهذا التوجيه أثر على خيريتهم، بل ربما يغذي جانب شرهم ويعلي من صوت غرائزهم اللامشروع، ويشحنهم برفض الاختلاف الطبيعي وعدم قبول الآخر. وإذا نزلنا لواقعنا المعاش نجد فعلا أن فيهم الصالح الذي يسعى بعلمه إلى إصلاح نفسه وإصلاح غيره، وفيهم الطالح الذي يتوقف بعلمه حد تحقيق مآربه الخاصة، ويصرفه في أغراض دنيئة لا ترقى للمقام الذي يمثله، كما نجد مثل هذا في جميع فئات المجتمع التي تسند إليها مهام الأمور؛ من الحرفيين والمهنيين ورجال الأعمال.

"الفضيلة تكمن بين رذيلتين" فدعنا جميعا نترك هذين الرذلتين؛ رذيلة تقديس البشر، ورذيلة التمرد، ونتمسك بالفضيلة التي بينهما؛ تحري الصدق والحق

لكن المشكلة الأكثر عواصة تكمن في أن عامة الناس يبالغون في احترام هذه الفئة إلى حد القداسة، خصوصا الطبقة الشعبية وبسطاء الناس، كما أنهم لا يحكمون عقلهم بتحريهم صدق من ادعى العزو لهذه الفئة بل تغلبهم عاطفتهم ويثقون في كل مدع الانتساب إليها إن بلسان حاله أو بمقاله، حتى السحرة والمشعوذون يصنفون لديهم ضمن هذه الفئة ويحظون عندهم بثقة بالغة واحترام كبير، وفي الأخير عندما يقع ما يقع من أمور يستهجنها العقل والشرع على يد هؤلاء الدخلاء تكون النتيجة هي السب والطعن في علماء الدين عموما وتشويه صورتهم، مع أن المسؤولية في الحقيقة يجب أن يتحملها أولئك السذج البسطاء الذين لا يتوفرون على المعيار الصحيح للتقييم.

 

المعيار الذي لا يحتكم إلى المظهر من لباس الأقمصة وإسدال اللحى والتراتيل المغرضة، ولا للجوهر الباطني الذي يقتضي التوقف عن الحكم، وإنما يحتكم إلى علاقة هذا بذاك، أي إلى العمل الصحيح المبني على نبع إيماني يأبى على صاحبه إلا أن يتشبع بمعاني الصدق والإخلاص، فإن الله لا ينظر إلى الصور والأجساد، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال، و" الدين المعاملة" كما جاء في الحديث، ومعلوم عند علماء اللغة أن تعريف الطرفين في الجملة يفيد الحصر، "الدين المعاملة" وكأن الدين كله معاملة، كذلك ما ورد من أثر عمر بن الخطاب "ض" في ضوابط تزكية الأشخاص، حينما شهد رجل لآخر بالخير والصلاح بحجة أنه مداوم على الصلاة، فقال له زاجرا: هل سافرت معه؟ هل تعاملت معه بالدينار والدرهم؟  

في خضم هذه الوضعية المزرية التي تعيشها الطبقات الشعبية نحو هذا الأمر نجد في المقابل من أبدى كل المقت والازدراء لعلماء الدين، بل ربما يلجأ أحدهم إلى التمرد على الدين من أصله كرد فعل على سوء سلوك من يمثلونه، وإني لأعجب كل العجب من مثل ردود الأفعال الصبيانية هاته! وما أكثرها في هذه الآونة! وكأن الدين ملك لهذه الفئة أو ذاك وليس دين الله الذي أرسل إلى الناس أجمعين! حتى صار كل شخص له علاقة بالدين يخشى من أن يغضب أحدا أو يزعجه ليلا يسبب له فيما لا يحمد عقباه، أيا معشر الكرام! أنسيتم أن ربكم يقول: "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ"؟! أم أنتم ممن يندرجون تحت هذه الآية التالية "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ".

بل أكثر من هذا أن منهم من يدعوا إلى دحض ما أنتجه هؤلاء العلماء -قدماء ومحدثين- من قواعد وآليات لغوية وشرعية عن طريق الاستنباط من كليات الشريعة واستقراء جزئياتها التي تضمن فهم المسلمين لإسلامهم فهما صحيحا نابعا من معينه الصافي "القرآن الكريم والسنة النبوية" على مر العصور والأزمان، ضابطة لاجتهاد المجتهدين في أي زمان ومكان. أخيرا لا أجد أفضل ما أختم به من الحكمة القائلة: "الفضيلة تكمن بين رذيلتين" فدعنا جميعا نترك هذين الرذلتين؛ رذيلة تقديس البشر، ورذيلة التمرد، ونتمسك بالفضيلة التي بينهما؛ تحري الصدق والحق.