عقدة الجسد.. أنثى في سجن عربي مفرط الذكورية!

blogs امرأة

بدأ دعم الأمم المتحدة لحقوق المرأة مع الإطار الدولي المعلن في ميثاق الأمم المتحدة. ومن بين مقاصد الأمم المتحدة المعلنة في المادة 1 من ميثاق الأمم المتحدة "تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء." وفي العام الأول للأمم المتحدة، أنشأ المجلس الاقتصادي والاجتماعي لجنة وضع المرأة، بصفتها الهيئة العالمية الرئيسية لصنع السياسات المتعلقة حصرا بتحقيق المساواة بين الجنسين والنهوض بالمرأة. وكانت باكورة إنجازاتها ضمان لغة محايدة بين الجنسين في مشروع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

يؤكد الإعلان التاريخي، الذي اعتمدته الجمعية العامة في 10 كانون الأول/نوفمبر 1948، من على مبدأ هام وهو أنه "يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق" وبأن ’’ لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع، خصوصا التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، … أو المولد، أو أي وضع آخر". وفي عام 1979، اعتمدت الجمعية العامة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

وتستهدف الاتفاقية الثقافة والتقاليد بوصفها قوى مؤثرة في تحديد مفاهيم الأدوار بين الجنسين والعلاقات الأسرية. وتظل المرأة العربية خاصة سجينة لمفاهيم خاصة جدا على رأسها عقدة الجسد. للحياة الإنسانية بعدين، بعد مادي يتمثل في الجسد وبعد روحي يتمثل في الوعي، حيث الجسد للعمل والروح للفكر والتأمل والحكمة. لكن على مدار التاريخ البشرى خبا نور الروح واحتل ظل الجسد المكانة الأسمى بشكل صارخ. فغدت ضرورة إشباع أهواء الجسد من أهم أهداف الكائن البشري، وأولى أولوياته.

جاء الدين وأثار قضية المرأة وأقر مفهوم حقوق المرأة، لكنها لم تسلم من تكالب تجار الدين فحاولوا مرارا أن يعيدوها إلى مستنقع الجاهلية، وجعلها كائنا تابعا للرجل مأتمرا بأمره

فعلى مر الأزمنة لم يرى الرجل في المرأة سوى جسدا يشبع رغباته، متناسيا حقيقة أنها انسان. ولم يتعامل الرجل مع المرأة إلا من منطلق ذكوري ظالم، حصرها في وعاء لفض شهواته دون أدنى اعتبار لكيانها أو لمشاعرها أو رغباتها ولم يظهر أي احترام للدور الرئيسي للمرأة في لعبة الحياة. كانت نظرة الرجال للمرأة على مر الدهر نظرة دونية ، فتارة يعاملها ككائن منحط ومرة يراها جندا من جند الشيطان .فظلت المرأة تئن في صمت ، يمنع عنها البوح بمشاعرها أو التأوه من فرط الظلم الواقع عليها. الرجل العربي لا يرى في المرأة إلا الجسد وفقط، ولا يقبل منها أي تمرد على هذا الدور، ولا يقبل أن تشاركه التفكير والتدبير والنقاش وإبداء الرأي، خصوصا أمام أقاربه ومعارفه، وحتى إن تمرد الرجل على هذه الأعراف يوما ومنح المرأة القيمة التي تستحق، وكان لكلماتها تأثير عليه، يجد نفسه يحاسب من قبل جماعة الذكوريين وينعت بأسوأ النعوت "مسحور"، "مغلوب"، "ضعيف الشخصية"، "شماتة".

فتجده يعود لسالف عهده مدافعا عن رجولته أمام المجتمع بإهانة المرأة، فيصنع لها إطارا لا تتعدى فيه حد كونها سجينة بيته، ووعاءا شريفا لنسله، وخادمة مجانية له ولأهله تحت مسمى زوجة. يتمتع الرجل في المجتمع العربي بكل الحق في الحب والتعبير عنه، في الوقت الذي سلب هذا الحق من المرأة ، وإن تحدت هذا القانون وصرحت يوما بحبها لأحدهم اتهمت بالفجور والفسق، وله كل الحق في اختيار زوجة واثنتين وأربع، دون أدنى اعتبار لكرامة زوجته وقدسيته علاقته بها، وفي كثير من الأحيان ترغم المرأة على الزواج من رجل لا يناسبها ، بحجة أنها ناقصة عقل ودين، وأنها لا تدرك بعقلها الناقص ما يدركه الرجل بعقله الكامل، وأن رفضها للزواج سيجعلها محل شك، وأنها قد تصبح ضحية للعنوسة، لأن قيمة المرأة في نظرهم تتلخص في الحصول على زوج يهينها ويتحكم فيها.

الرجل العربي لا يرى في المرأة إلا جسدا جميلا يحن لاكتشاف تفاصيله، فيمضي يراقص الأوهام ليغازلها ويتغنى بقوامها، فإن أبت الخضوع له في السر، يسرع بطريقة لا واعية ليتزوجها، دون أن يعي لماذا أقدم على هذه الخطوة، ومنهم من يعتبر عدم خضوع المرأة لغزل الرجل شرف وعفة، فيكافأها بالزواج منها، بينما هو في الأصل تحركه أفكاره اللاواعية ففي النهاية لابد أن يصل إلى ذلك الجسد الذي منع عنه، بأي طريقة كانت فالرجل العربي لم يتعود على الرفض، فيجد نفسه مساقا للارتباط حتى وإن لم يتبادل مع هذه المرأة فكرة واحدة ، ولم يختبر عقلها ونضجها الفكري.

إن حاولت المرأة كسر الصورة النمطية وأبدت قدرة على الحوار الفكري ينبذها الرجل في غالب الأحيان ويبحث عن
إن حاولت المرأة كسر الصورة النمطية وأبدت قدرة على الحوار الفكري ينبذها الرجل في غالب الأحيان ويبحث عن "امرأة جسد"، تكون كل توجهاتها إلى جسدها وكيفية العناية به والتسويق له
 

وطالما لازمتها صورة كائن مهمل، حرم عليه الحديث أو الكلام أو الضحك، فصوتها عورة، وجسمها عورة، هي في نظرهم احبولة للشيطان، ووجب إخضاعها لحراسة مطلقة، فاذا ما غابت عن أعين الرجل سوف تعود إليه تجر عارا أبديا. فجاء الدين وأثارت قضيتها وأقر مفهوم حقوق المرأة، لكنها لم تسلم من تكالب تجار الدين فحاولوا مرارا أن يعيدوها إلى مستنقع الجاهلية، وجعلها كائنا تابعا للرجل مأتمرا بأمره، في تجاهل تام لمنطق الإنسانية، والتكريم الإلاهي ، فسعى تجار الدين لإخضاع المرأة وطمس شخصيتها باسم الدين والشرع، فهي في نظرهم مجرد جسد يجب أن يغطى ويوضع تحت الرقابة المشددة.

للأسف الشديد لم يطل الظلم كائنا بشريا كما طال المرأة فحتى في عصر العلم والحداثة المرأة مجرد سلعة، مجرد جسد يجب أن تتفن في إبراز مفاتنه. التأثير اللاواعي على عقلية المرأة، واستسلامها لعقدة الجسد، جعلها ضحية مرة أخرى، فحتى عندما بحثت المرأة عن الحرية، وجدت نفسها تكرس لمفهوم المرأة الجسد، حيث لا هم لها إلا تزيين وجهها وتنحيف جسدها وتطويل شعرها ونعومة بشرتها وجمال أظافرها، وتعرية جسمها قدر الإمكان تعبيرا عن التحرر.

إن حاولت كسر هذه الصورة النمطية وأبدت قدرة على الحوار الفكري ينبذها الرجل في غالب الأحيان ويبحث عن "امرأة جسد"، تكون كل توجهاتها إلى جسدها وكيفية العناية به والتسويق له، باحتشام أو ابتذال حسب انتمائه. هي ثقافة زرعت في عقل المرأة عبر سنوات تنشئتها، فنراها في مراهقتها تركز بشكل هستيري على الجانب الجسدي، وتهمل الجانب الفكري. حتى وإن ثارت فيها روح التمرد على الأعراف البالية وتبنت موقفا فكريا، سخرت منها النسوة ورمقنها بنظرات من الازدراء واعتبرناها شخصية رجولية، فتتعرض للنبذ بحيث لا يحظى اسمها بفرصة الانضمام لقائمة عروسات المستقبل. فتضطر أغلب الفتيات لإغلاق عقولهن وتسلطن تركيزهن على الجانب الجسدي حتى يصبح لهن نصيب في الزواج يوما ما.

ستكون المرأة مجبرة دائما على أن تكفر عن ذنب أنها ولدت أنثى في عالم مفرط الذكورية حيث تقرن المرأة بالجسد الذي لا تشوبه شائبة، ستكون المرأة مجبرة دائما على أن تكفر عن ذنب أنها ولدت أنثى في عالم مفرط الذكورية حيث تقرن المرأة بالجسم الذي قد يأتي بالعار والخطيئة. وأخيرا المرأة ضحية جسد يحاول الظلاميون طمس معالمه تحت غطاء لا يرى من خلاله النور، ويحاول دعاة الابتذال تعريته وتعهيره.