حرب 12 أكتوبر.. كلاكيت يونيو 67!

blogs اكتوبر

"لنطور الهجوم نحو المضايق".. كانت تلك اللحظة الفاصلة في حرب العاشر من رمضان 1973 المعروفة بحرب السادس من أكتوبر، وهي الحرب التي تُلخّص في العبور، ويتم التعتيم الكامل على ما جرى بعد اليوم 12 منها، والذي يمكن اعتباره امتدادا لكارثة 67 التي لم تؤثر سلبا على مصر فقط، بل على المنطقة العربية بأكملها.. في ذلك اليوم، أمر وزير الدفاع والقائد العام أحمد اسماعيل رئيس أركان القوات المسلحة سعد الدين الشاذلي بتطوير الهجوم..

 

كانت العلاقة بين الرجلين على غير ما يرجوه المواطن البسيط الذي يأمل أن يرى قيادات الجيش سمنا على عسل.. ففي ستينيات القرن الماضي، وعندما كانت البعثة العسكرية العربية في الكونغو لدعم نظام باتريس لومومبا، بعث النظام المصري بأحمد إسماعيل لينظر في طلبات نظام لومومبا. لكن مع وصوله، كان نظام لومومبا قد سقط بدعم من بلجيكا وحلفائها، وألقي القبض على لومومبا الذي أعدم لاحقا وأذابه البلجيكيون في حامض الكبريتيك، ومن ثم لم يعد لإسماعيل دور في البلاد، وبدأ يتدخل في شؤون قوات البعثة العربية برئاسة الشاذلي الذي رفض الموضوع بشدة، ودخل في صراع مع اسماعيل، ما دفع بالقاهرة لإرسال شمس بدران ـ أحد الأذرع الرئيسية للمشير عبد الحكيم عامر وهو الذي وضعه عبد الناصر بمكتب عامر ليتجسس عليه لصالحه ـ ليحل الإشكال، وانتهى الأمر بإعادة أحمد اسماعيل ومن معه إلى مصر، لكن بقي في القلوب جرح لم تمحه الأيام.

 

ومرت الأيام وعندما اختار عبد الناصر أحمد اسماعيل رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة عام 1969 استقال الشاذلي، لكن الرئاسة رفضت استقالته. وعندما قرر السادات عام 1971 تعيين الشاذلي رئيسا للأركان، قرر بعدها بفترة إقالة محمد صادق من منصب وزير الدفاع، وتعيين أحمد اسماعيل بدلا منه، لضمان أن لا يكون وزير الدفاع ورئيس الأركان في انسجام قد يأتي على حساب رئيس الجمهورية. فضلا عن أن أحمد إسماعيل كان ذا ولاء مطلق للسادات، الذي أتى به من التقاعد ووضعه في أعلى منصب يتمناه عسكري، وبالتالي ضمن السادات الاستفادة من حرفية الشاذلي وشهرته كثعلب حرب، وبين قدرته كرئيس دولة على التحكم في الجيش وذلك عبر أحمد اسماعيل الذي لم يكن يعص للسادات أمرا.

 

الاحتلال الإسرائيلي وضع ثمانية ألوية مدرعة أمام الجبهة المصرية، وستة أمام الجبهة السورية، وبالتالي لن يستطيع أي طرف تخفيف الضغط عن الطرف الآخر، فضلا عن أن الاحتلال لديه قوة جوية ساحقة

ونجح الشاذلي وفريقه في استكمال إعادة بناء القوات المسلحة المصرية على أسس علمية صحيحة، وبعد نقاشات وتفاصيل عديدة، نجح الشاذلي في إقناع السادات وأحمد اسماعيل بخطته لتحرير سيناء، والقائمة على الاعتماد على الإمكانات الذاتية المتوفرة للجيش، دون انتظار أسلحة متطورة قد تأتي أو قد لا تأتي من عند الاتحاد السوفياتي، حليف مصر. وتنص خطة ”المآذن العالية“، على عبور قناة السويس، وتدمير خط بارليف الإسرائيلي المنيع، ثم احتلال نحو 12 كيلومترا شرق القناة، والبقاء بهذا المدى، وإجبار إسرائيل على اللعب على النغمات المصرية.. ففي هذا المدى يحمي الجيش المصري الأرض والعباد بحائط صواريخ ومنصات إطلاق متحركة وثابتة في المدى المحدد، أي 12 كيلومترا.

 

بموازاة مع ذلك، أعدت خطة حرب شكلية سميت ”الخطة 41“، أعيد تسميتها لاحقا بـ ”غرانيت“، تقضي بتحقيق العبور والوصول إلى المضايق، وتعمدت قيادة الجيش إطلاع الحليف السوفياتي عليها، وكذلك الجيش السوري، لإقناعه بالحرب، ودخل الجميع الحرب على هذا الأساس: تحقيق العبور ثم الوصول للمضايق، وكان في المسألة خداع فج لسوريا، لكن السادات كان يريد ذلك..

 

لكن القيادة المصرية دخلت الحرب وهي مقتنعة ـ على الأقل نظريا ـ بخطة المآذن العالية، وتقضي بعبور قناة السويس، ثم البقاء في حدود 12 كيلومترا. والشاذلي بنى خطته على فلسفة واضحة، مضمونها إطالة أمد الحرب، ثم حرمان الاحتلال الإسرائيلي من استغلال ميزة التفوق الجوي التي لديه، ومنعه من ضرب مؤخرة الجيش وأجنابه كما دأب على ذلك في كل حروبه السابقة مع دول الطوق.

 

وفي ذلك استغلال لمقتل إسرائيل التي لا تستطيع إطالة أمد أي حرب ولا تستطيع تفادي الاعتماد على قوتها الجوية الضاربة، لأن ليس لديها العمق الاستراتيجي، ولا الديمغرافيا الكافية التي تمكنها من الصمود لفترات أطول. وما فتء الشاذلي يؤكد في كتابه وكل حواراته ومقالاته، أنه اتفق مع وزير الدفاع أحمد اسماعيل وأنور السادات على أن خطة الحرب هي خطة ”المآذن العالية“. رفض الشاذلي طلب وزير الدفاع وطالب بالالتزام بالخطة، لأن تطوير الهجوم معناه تدمير الجيش المصري.. فالاحتلال الإسرائيلي وضع ثمانية ألوية مدرعة أمام الجبهة المصرية، وستة أمام الجبهة السورية، وبالتالي لن يستطيع أي طرف تخفيف الضغط عن الطرف الآخر، فضلا عن أن الاحتلال لديه قوة جوية ساحقة، ومتى وجد ثغرة لاقتحام الجيش المصري فلن يضيعها، خاصة وأن الولايات المتحدة تقدم دعمها التجسسي والعسكري المطلق لإسرائيل، وبالتالي فتطوير الهجوم سيكون مقصلة قذرة تقطع أوصال جيش مصر..

 

والخطة ثابتة وواضحة منذ 1971، عندما أكد رئيس أركان الجيش المصري سعد الدين الشاذلي للمجتعين في لقاء مجلس الدفاع العربي المشترك أن القوات المصرية والسورية يجب أن يتمتعا بالقدرة على الصمود، لأن الحرب متى اندلعت، فلن يستطيع أي طرف أن يخفف الضغط عن الطرف الثاني..

 

”طور الهجوم نحو المضايق“.. كانت تلك إذن الجملة التي لا يود الجنرال الشاذلي سماعها أبدا، وهو يعلم خطورتها و“كارثتيها“.. سمعها يوم ١١ أكتوبر، وحاول إقناع وزير الدفاع إسماعيل بغض الطرف عنها بتذكيره بمضمون خطة المآذن العالية، واتفاق ما قبل اندلاع الحرب، ثم مخاطرها.. وذكره بمأساة أحد ألوية الجيش في اليوم الذي سبق مطلبه ذلك.

 

كان ذلك يوم 10 أكتوبر، عندما اجتهد قائد لواء مصري وتجاهل أمر القيادة له بالانتقال من مكانه إلى مكان آخر ليلا تفاديا لرصده من طرف الطيران الإسرائيلي ثم تدميره. فحاول القائد استغلال ضوء العشية، وتنقل بلوائه قبل أن يسدل الليل أستاره، لكن عسكر إسرائيل رصده حتى خرج من مظلة الدفاع الجوي المصري، فانهال عليه بالقصف الجوي حتى شتته.. وكان في ذلك عبرة، تذكر بأن حرمان الاحتلال من استغلال تفوقه الجوي الساحق من أسس نجاح خطة العبور.. لكن أحمد اسماعيل عاد في اليوم الموالي (12 أكتوبر) يكرر طلبه بتطوير الهجوم..

 undefined

رفض الجنرال الشاذلي الطلب، ودخل في خلاف شديد مع رئيسه اللدود، الذي نجح في فرض موقفه باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، فتخلى الشاذلي عن خطته، وطالب أحمد اسماعيل بإعداد خطة هجوم وتطوير بديلة، لأنه أصبح الآن منفذا، كما جاء على لسانه في حوار صحفي مع قناة الجزيرة في تسعينيات القرن الماضي. حتى إن الخطة الجديدة مخالفة حتى لخطة ”غرانيت“ الشكلية التي تضمنت خطة شكلية لتطوير الهجوم نحو المضايق ( في حدود 50 كيلومترا شرق قناة السويس).. رفض قائد الجيش الثاني عبد المنعم خليل (عوض سعد الدين مأمون الذي أصيب بنوبة قلبية يوم 14 أكتوبر)، وقائد الجيش الثالث عبد المنعم واصل، خطة تطوير الهجوم بعدما وصلتهما، واعترضا عليها أمام رئيس الأركان الشاذلي الذي حاول استثمار هذا الرفض لإقناع القائد العام أحمد اسماعيل بعدم جدوى تطوير الهجوم..

 

وعقد الجميع (الشاذلي وقائدي الجيشين الثاني والثالث) لقاءا دام ساعات طويلة لمناقشة التفاصيل، لكن وزير الدفاع كان يردد لازمة واحدة: إنه قرار سياسي ويجب تنفيذه! وأجبر رئيس الأركان وقائدا الجيشين الثاني والثالث على خوض حرب التطوير إجبارا، تنفيذا لأمر عسكري.. صار رئيس الأركان وقادة الجيوش منفذون لأمر عسكري يرفضونه ويعرفون نتائجه، في حرب تحتاج من الإرادة أكثر ما تحتاج للتقنية والسلاح!

 

العبور تم باقتناع القيادات والجنود بصحة الخطة وبتدريب عال، وبمعنويات مرتفعة تحت صيحات الله أكبر، لكن تطوير الهجوم يوم 12 تم بتخطيط من أحمد اسماعيل تنفيذا لأمر السادات، ورفض من كل القيادات العسكرية الأخرى! فبدأ تطوير الهجوم بالدبابات (!!!)، وفشل بمجرد أن بدأ، لأن الجيش الإسرائيلي طار فرحا بالخطوة المصرية، فشتت الجيش بطائراته، وانطلق يدمر ويقتل ويمارسه لعبته القديمة الجديدة، بطرب المؤخرة والأجناب، وقطع أوصال الجيش المعادي، وعبر إلى غرب القناة. وبغض النظر عن الخسائر البشرية الهائلة، فإن من أكبر آثار قرار تطوير الهجوم، انتقال زمام المبادرة للاحتلال الإسرائيلي الذي استغل الفرصة وعبر بدوره قناة السويس غربا، ووطأ أقدامه بها.

 

استغلت إسرائيل غولدا مائير الوضع أبشع استغلال، فاستخدمت حصار الجيش الثالث لحرق كل أوراق مصر، وإجبارها على إطلاق سراح الأسرى والجواسيس وفتح مضيق تيران وصنافير أمام السفن لتزويد إسرائيل بالمؤن والوقود

وهنا وقع المقتل الثاني في حرب أكتوبر، وهو عدم موافقة السادات وأحمد اسماعيل على خطة المناورة بالقوات العسكرية، وهي مبدأ من مبادئ الحرب. وتبقى أسباب رفض السادات لتلك الخطوة مجهولة، على الرغم من إشارة البعض أنه كان يريد الاحتفاظ بوضع القوات العسكرية على ما هي عليه على أساس أن يُعلن وقف لإطلاق النار بموافقة دولية، فتبقى قوات مصر شرق القناة وغربها، بينما ثغرة الدفرسوار التي اقتحمها الاحتلال تسمح له بالبقاء غرب القناة، وجل قواته في الشرق.. لكن ذلك لم يكن مضمونان ببساطة لأن الحرب خدعة، وهذا ما حدث إذ أن أميركا بادرت لحث إسرائيل على عدم قبول أي مبادرة لوقف إطلاق النار قبل أن تتغير الأوضاع العسكرية عل الأرض لفائدتها..

 

الفريق الشاذلي كان يريد سحب أربعة لواءات فقط من النسق الثاني شرق القناة، ليست على احتكاك بالعدو ولن تؤثر البتة على موازين القوى في الحرب في سيناء، ثم استغلال لتدمير الثغرة نهائيا، وإقبار لواءات الاحتلال فيها. لكن الخطة رفضت، وأصر السادات على إبقاء الوضع على ما هو عليه، فتغلغل الاحتلال بلواءاته وفرقه العسكرية في الثغرة، وبدأ طيرانه يصول يجول مرة أخرى غرب القناة، قبل أن يغلق طريق السويس نهائيا ويستعيد السيطرة الجوية مجددا، ويحاصر الاسماعيلية والجيش الثالث بأكمله (نحو 45 ألف عسكري وضابط)..

 

واستغلت إسرائيل غولدا مائير الوضع أبشع استغلال، فاستخدمت حصار الجيش الثالث لحرق كل أوراق مصر، وإجبارها على إطلاق سراح الأسرى والجواسيس وفتح مضيق تيران وصنافير (التي تخلى عنها السيسي مؤخرا للسعودية فخلق ممر دولي لفائدة إسرائيل فيها) أمام السفن لتزويد إسرائيل بالمؤن والوقود، وإذلال عنق مصر لتوقيع معاهدة وقف إطلاق نار وبدئ مسلسل تسوية بشروط تل أبيب..

 

لقي السادات ربه في عملية اغتيال بالمنصة عام 1981 في ذكرى نصر أكتوبر، وقبله انتقل إلى العالم الآخر وزير الدفاع أحمد اسماعيل عام 1974 (سنة وشهرين بعد نصر أكتوبر وعاما تقريبا بعد إقالة سعد الدين الشاذلي)، ثم لحقهما الجنرال الشاذلي في 10 فبراير 2011 (يوما واحدا قبل خلع حسني مبارك)، لتبقى ملفات هذه الحرب الحاسمة مغلقة يعلوها غبار النسيان والتجاهل، وتلخص القصة كلها في عبور السادس من أكتوبر.. وقبلها بقيت ملفات فضيحة 67 طي التجاهل والتعتيم، لتستمر المآسي، وتنمحي الدروس.. ووحده تحقيق شامل ونزيه في ملفات 67 و73 من شأنه مسح ذلك الغبار، وتوضيح حقائق ما جرى لعل وعسى ينصلح الحال والمآل.. ولعل أحد أهم تلك الدروس التي سيستفاد منها، أنه إذا كان العسكر لا يصلحون البتة لإدارة دفة السياسة، فإن السياسة لا تصلح أبدا لإدارة دفة العسكر.