احترام المدير.. بين الواجب و"هز الذنب"!

blogs مدير عمل

"مسيح جوخ" "هزيز ذنب" "ضريب أسافين" "صابونة" وغيرها من الألقاب التي نتنابزها سرا وعلانية في بيئة العمل، ودون أي استثناء أو تمييز إن كنا رسلا في العمل أو مجرد أوثانا، معرضون لترشقنا تلك الألقاب أو نقذف بها زملاءنا. وفي كل عمل وكموظفة تقبع في النصف السفلي من الهرم الوظيفي، أسعى باستمرار للصعود علوا، رغم كل التعجيز والمعيقات الميتافيزيقية والأنطولوجية والجندرية.

 

وفي كل مرحلة، أبدأ فيها التعامل مع كادر جديد، أدرك أنني لن أتأقلم بسهولة مع أي اختلاف على عكس ما بهرجت به سيرتي الذاتية من القدرة على العمل ضمن الفريق، حتى اختلاف الوجوه لا أعده أمرا يمكن التأقلم معه بسهولة، من عاقد الحاجبين عريض الكتفين، إلى عيون حاقدة مستشرة أو شفاه ممتعضة على الدوام، لا تبتسم لرغيف خبز ساخن، ووجه نكد يسكب اللبن الرائب، لكن ولكرهي الحكم على القشرة الخارجية من جلد وعظم، ولإيماني بأن العمق خير وأبقى، ولا تعاظي حق العظة بموقف العبوس والتولي، فهو تغيير طفيف وسهل التجاوز، مقارنة بما تخفيه العقول وتكدره النفوس وتشوبه الظنون والشكوك، وتحيط به الأكاذيب.

ومن الشخصيات التي تكاد تكون جبرية في كل كادر –تخمينا وليس وصفا مطلقا- "الدهليزي"، لا يمسك له ممسك، ولا يؤمن جانبه، ما إن تعتاد على وجه له وتحاول أن تأمنه، حتى يطفو وجه آخر على السطح، متصبغا لونا جديدا، تراه ضخما وقورا، فإذا تعاملت معه وتعمقت فيه، يبدأ بالضمور والتقزم بالنسبة إليك، ليسقط تماما من عينك إلى قمامة أرشيفك.

لا يمكن أن تضرب مديرك على كتفه ترحيبا، ولن تصوره إن غفى على المكتب، لن تبحث في أدراجه عن طعام مخبأ، ولن تطلب منه أن يعد لك القهوة إن حضرها بنفسه، كل ذلك الأدب المفروغ منه في معاملته

ومع اجتهاد قدميك بالثبوت على أرضٍ، ولو كانت أرضا من طين، فتبذل بكل ما أوتيت من سعة، وتظهر على الساحة، عندها يبدأ العبث بالأضواء المسلطة عليك؛ ليزيحها عنك ويطفئ وهج حماسك، ففي كل مرة تقف فيها على المنصة، يضرب بقدميه خشبة العرض ساخطا ناخرا كسوسة ليسقطك أرضا. يضرب بجهودك عرض الحائط واصفا إياها "عبثية واستعراضية"، وما يجعل لكلامه وزنا أقدميته في المكان، وكأنه تعمد وترهبن، ولربما هذا أكثر ما يخيفنا منه.

ثم وفي تلك اللحظات التي تتعامل فيها مع مسؤولك المباشر – و- وصولا لرأس الهرم- والذي في الغالب سيكون أكبرعمرا، أكثر خبرة، أوثق منك أيدولوجيا، ولربما أعلى مكانة "بيروقراطيا"، مقارنة بك، وبعيدا عن الحديث حول الفرق بين المدير والقائد- فلا بد من إظهار لباقة مضاعفة، ابتسامة جدية، رفع للأكتاف، وتعديل نبرة الصوت، كمذيع في النشرة الاقتصادية، قد تقف أحيانا إن كنت جالسا، ومن الممكن أن تقف طويلا على باب مكتبه، حتى يغلق سماعة الهاتف منهيا الحديث مع ابنته التي ترغب بزيارة صديقتها، فيهلّ إذن الدخول، ولا تجلس حتى تحصل على إشارة "تفضل اقعد".

 

فلا يمكن أن تضرب مديرك على كتفه ترحيبا، كما تفعل مع زميلك في المكتب، ولن ترشق عليه الماء على سهوة منه، ولن تصوره إن غفى على المكتب، لن تبحث في أدراجه عن طعام مخبأ، ولن تطلب منه أن يعد لك القهوة إن حضرها بنفسه، كل ذلك الأدب المفروغ منه في معاملته، والذي قد لا يكون مرأيا بالنسبة للمدير ذاته، فيعده أمرا عاديا بسبب شح التعامل والأسباب المذكورة سابقا: من فرق العمر بكل ما يحويه من فجوات.

 

في كل يوم قد تخوض حربا صغيرة بينك وبين البقاء أو الاستقالة، تعلن في اليوم الذي يليه هدنة، وفي الثالث تركن للسلام فذلكم خير، وتعيد الكرة، كرا وفرا
في كل يوم قد تخوض حربا صغيرة بينك وبين البقاء أو الاستقالة، تعلن في اليوم الذي يليه هدنة، وفي الثالث تركن للسلام فذلكم خير، وتعيد الكرة، كرا وفرا
 

وعليه: سيكون هذا التعامل الأنيق، بيئة خصبة لكل تلك المواهب الدفينة تحت الألسنة السليطة الجدلية الدجالية، ستجلدك التهم، سيجز باسمك بين القيل والقال، لاغتيالك مهنيا، بل وحتى أخلاقيا، وهنا عودة للنوع الأكثر قماءة حقا، أولئك المتسلقون ممن لا يملك حق الموهبة أو الإبداع، وليس له أي أثر أو بصمة حقيقية في خط الإنتاج، بينما كل ما يبرع به هو خلق ماء عكر ليتصيد أخطاء غيره، ثم يظهر هو بالحجم الأكبر والأهم بعد أن يختلق دائرة السوء على كل ند، فيبدأ بالانتقال من كرسي دوار صغير إلى كرسي جلد مريح، ليس بجهده بل بخبثه ودهلزته، لا يمكن الجزم أن هذا الصنف من الموظفين محظوظ دائما.

 

ولن أقول أنني بالغت النقد والوصف، بل وعلى العكس، فمن الغريب أنني ما عملت في مكان إلا ورأيت منه عينة -ناجحة في مهمتها أو فاشلة- متواجدة أينما وجد التنافس، هذا النوع الذي يجيد إلقاء التهم وسلبنة أسلوبك، وأحيانا سلبه، هو في الحقيقة المنافق الحقيقي بذنب أناكوندي، يجيد هزه يمينا وشمالا، فيغطي النقص بأكوام قش هشة، يرقص على الحبلين، يقزم الآخر المنافس، ويكسب الآخر المسؤول. وللتخفيف من حدة كرهي لهذا النوع، ولجعله أكثر لطفاً فإنني كلما رأيته لا أذكر سوى "سنفور مفكر رافعا سبابته بأنفة بالغة قائلا جملته السليطة: "يقول بابا سنفور" بينما هو حقا لا يفعل أي شيء يذكر سوى تنصيبه نفسه الكل فوق الكل. ويتبع هذا المشهد المهم بالأهم: بإلقائه بعيدا عن بيئة العمل لتسير الأمور على أكمل وجه.

بيئة العمل التي تفيض بالملل والرتابة وتكرار العمل المجهد يوميا، تخفي في ثناياها الكثير من سندانات صقل للشخصية، في كل يوم قد تخوض حربا صغيرة بينك وبين البقاء أو الاستقالة، تعلن في اليوم الذي يليه هدنة، وفي الثالث تركن للسلام فذلكم خير، وتعيد الكرة، كرا وفرا، تعامل الناس على اختلاف ألوانهم، صورهم، وتبقى قلوبهم كالأسنام منها ما يمتلأ إنسانية ومنها ما يفيض شرا، ومن عمل ذرة سيره.