إغراء الوحدة.. لماذا اتجه لها الكثير من الأدباء؟

blogs الوحدة

يقول آرثر شوبنهاور: لا يمكن أن يكون المرء نفسه حقاً إلا متى كان وحيداً، ومن ثم فمن لا يحب الوحدة لا يحب الحرية، لأن المرء لا يكون حراً إلا حين يكون وحيداً. ويقول فرانز كافكا: في علاقتي مع الآخرين جزء طفيف مني يتوسل المواصلة، جزء هائل مني يرغب في الهروب. فلماذا أغرت الوحدة والحياة المنعزلة الكثير من العلماء والأدباء والمفكرين على مر العصور؟ في الوحدة لا يستمع أحد إلى وقع قلبك سواك ولا تختلج في أنفاسك المتعاقبة سوى راحة روحك، ليس عليك أن تتأكد أن باب نفسك قد أًغلق كي لا يدخل أحد، ليس عليك أن تتعلم أي لغة فأنت على اتصال مباشر مع هواجسك الأولية، وعلى أي مفترق أنت الثنائي الواحد، الخصم والحكم، الأنا والهو.

قيل كثيراً أن الإنسان كائن اجتماعي، فهو غالباً ما يعيش وسط جماعة يتفاعل معها بطرق مختلفة، ولكن لو أمعنّا النظر وأطلنا التأمل لاتضح لنا عكس ذلك، فالإنسان وحيد لمجرد أنه إنسان، وليست هذه الكثرة الاجتماعية التي نراها إلا وهم سوف يضمحل ويختفي عند أول تجلِّ حقيقي للإنسان كالولادة أو الموت، وليست الوحدة خياراً بل قدر، وليس من نراهم انتهجوا حياة الانعزال إلا أناس تبصروا هذا القدر فأعطوا نفوسهم حقها من العزلة حتى يتم لهم ما يسمى بتحقيق الذات ومن ثم التسامي عليها.

الحب حالة شعورية تنطوي على الكثير من الذاتية، فنحن بحبنا لصديق أو حبيب إنما نحب الحالة التي نكون عليها بين أيديهم، فما هم بذلك إلا جسر ساعدنا للوصول إلى ذواتنا

تذكر حدثاً صغيراً كوجع ضرسك أو فاجعة عظيمة كداء عضال أو فقدانك لشخص عزيز، لن يستطيع إنسي ولا جني أن ينوب عنك في الألم أو العذاب، لن يستطيع أحد أن يكونك فينزل عليه هذا القدر بدلاً منك، ومهما أحبك من أحبك لن يستطيع أن يتجاوز حاجز جسدك ولا وعيك كي يشاركك أو يحمل عنك ما أنت فيه، إنها ذات مغلقة حُكم عليك أن تعيش بها وتموت بها وتبعث بها، إنك إن وصلت إلى أعمق نقطة فيك ونبست بهمس خفيض لاستمعت للأصداء المترددة وهي تعلو دالةً على خوائك المدقع من أي أحد وفراغك من كل الأسماء التي ظننت يوماً أنها في داخلك.

تقول إحدى قواعد العشق الأربعون: "الوحدة والخلوة شيئان مختلفان، فعندما تكون وحيداً من السهل أن تخدع نفسك ويخيل إليك أنك على الطريق القويم، أما الخلوة فهي أفضل لنا لأنها تعني أن تكون وحدك دون أن تشعر بأنك وحيد، لكن في نهاية الأمر من الأفضل لك أن تبحث عن شخص، شخص يكون بمثابة مرآة لك، تذكر أنك لا تستطيع أن ترى نفسك حقاً إلا في قلب شخص آخر بوجود الله في داخلك". 

وإني أرى هذا الكلام تكريساً لفكرة الوحدة ومركزيتها في حياة الإنسان أكثر من كونه نفياً لها، فلطالما رأيت أن الحب حالة شعورية تنطوي على الكثير من الذاتية، فنحن بحبنا لصديق أو حبيب إنما نحب الحالة التي نكون عليها بين أيديهم، فما هم بذلك إلا جسر ساعدنا للوصول إلى ذواتنا، ولا أقول أننا نتجاوزهم إذ ذاك ومن ثم يمكننا الاستغناء عنهم لأن حضورهم يبقى الضمان الوحيد لديمومة واتزان هذه الوحدة وهذا الانغماس في الذات. فليأخذ أحدكم وعيي قليلاً فهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن أشعر بها أنني خرجت حقاً من وحدتي، ولأن ذلك مستحيل وغير ممكن في حدود المقدرة البشرية على الإنسان أن يكون جاهزاً للعيش وحيداً في أي وقت، فإنه سيفعل ذلك عاجلاً أو آجلاً.