إسراء الجعابيص.. و تبرأت عيناكِ من قلبٍ يرمده الحريق!

إسراء الجعابيص

لا تكسري المرايا يا عزيزتي.. فلن يعتريه أي نقص جمال وجهكِ.. لا تيأسي وفي صفحات المجد ارتقي، لك الله يا إسراء فمن رحمته لا تقنطي

 

عنها اليوم أتحدث ولمن لا يعرفها بطاقة التعريف هذه.. اسمها إسراء الجعابيص فلسطينية، عمرها اثنان وثلاثون ربيعاً من ألم، أم لطفل في الثامنة من عمره، محكوم عليها بالسجن أحد عشر عاماً بتهمة محاولة تنفيذ عملية تفجيرية، اعتقلت بعد حريق شب في سيارتها وأصيبت على إثره بحروق من الدرجة الأولى والثانية والثالثة في خمسين بالمئة من جسدها، وفقدت ثمانية من أصابع يديها، وأصابتها تشوهات في منطقة الوجه والظهر.

 

كان ذلك الحادث الفاصل في يوم الحادي عشر من تشرين الأول عام 2015 عندما كانت في طريقها من مدينة أريحا إلى مدينة القدس ؛ حيث كانت تعمل في مدينة القدس يوميّاً وكانت تنقل بعض أغراض بيتها إلى سكنها الجديد بالقرب من مكان عملها، وفي ذلك اليوم كانت تحمل معها أنبوبة غاز وجهاز تلفاز، وحسب ما ذكرت إسراء للمحققين كانت تشغل المكيف ومسجل السيارة.عندما وصلت إسراء إلى منطقة الزعيم قرب مستوطنة معاليه أدوميم انفجر بالون السيارة الموجود بجانب المقود، وهو موجود أصلاً للتقليل من مضاعفات حوادث السير، واشتعلت النيران داخل السيارة فخرجت إسراء من السيارة وطلبت الإسعاف من رجال الشرطة الإسرائيليين المتواجدين على مقربة من مكان الحادث، إلا أن أفراد الشرطة لم يقدموا لها الإسعاف، واستنفروا واستحضروا المزيد من رجال الشرطة والأمن، وأعلنت الشرطة في البداية أنه حادث سير عادي، ثم ما لبث الإعلام العبري عدّ ما حصل أنه عملية لاستهداف الجنود الإسرائيليين، واكتشف المحققين وجود التلفاز مع أنبوبة الغاز، وانفجار بالون السيارة وليس أنبوبة الغاز، وعلموا أن تشغيل المكيف منع انفجار زجاج السيارة، لكن المخابرات الاسرائيلية ادعت أن إسراء كانت في طريقها لتنفيذ عملية، ورجعوا إلى صفحتها الشخصية على الفيسبوك فوجدوها تمجد الشهداء فوجهوا لها تهمة التحريض عليهم .

 

تُركت أم المعتصم تنادي كل لحظةٍ في سراديب الظلام "وامعتصماه" لكن نداءاتها واستغاثاتها باتت عقيمةً لا صدى لها ولا مجيب، وحملات التضامن معها شحيحةً شديدة الخجل، لا تتناسب مع حجم ما تعانيه من هولٍ وفظاعة

بدلاً من أن تنقل إسراء للعلاج وتجرى لها العمليات الجراحية الثماني التي تحتاجها في عينيها ووجهها وأذنيها الملتصقة برأسها ؛ لتمارس شبه حياة طبيعية نقلت إلى مقبرة الأحياء ،و منعت من رؤية أهلها لعدة أشهر، تجابه عذاب جسد ووحدة روح وعزلة عن الأهل والأحبة وفلذة الكبد، و لما زارها أهلها وابنها لم يعرفونها من شدة ما حلَّ بوجهها وجسدها ولم يتمكنوا من إخفاء الألم الذي اعتصرهم، ومن حبس الدموع التي خنقها فرط القهر والوجع.

 

تخيلوا ألم هذه الحروق الشديدة ممزوجة بظلم الأسر، يضاعفها ويزيدها نزفاً وحرقة وآهات، تخيلوا إنسانةً لا تقدر أن تمسك كأسَ ماءٍ لتشرب، أو ملعقة لتأكل، أو أن تقوم بأدنى شيئ من أعمالها الاعتيادية اليومية! إنسانةً تهرب من الألم للنوم ولا تنام بلا مهدئات، إنسانةً حتى أحلامها لم تعد وردية، تطاردها في أحلامها أصابعها المبتورة ومعالم وجهها السابقة قبل أن تشوه! في حين تتسابق الكثيرات لعيادات التجميل لإجراء عمليات تجميلية للحصول على أنف الفنانة هذه وابتسامة وغمازة الفنانة تلك .

 

إسراء تحرم من تلقي أي علاج مما عرضها للالتهابات المستمرة، وارتفاع درجات الحرارة، ومضاعفة الألم ،و تشنجات مستمرة في اليدين والقدمين، عدا عن نقص الفيتامينات والكالسيوم وسوء التغذية .ورغم محاولة عائلة إسراء المتكررة وعن طريق مؤسسات إنسانية دولية أن تحصل على موافقة لإدخال طبيب لمعالجة ابنتها على نفقتها الخاصة، لكن مصلحة السجون الإسرائيلية رفضت طلب العائلة.

 

وتكتفي إدارة السجن بتوفير مرهم لتبريد الحروق لا تزيد سعته على عشرين مليمتراً يصرف لها كل ثلاثة أيام، وهي كمية غير كافية لتغطية كافة حروق الأسيرة إسراء، فتجد في ما يتاح لها من مسكنات سبيلاً للتغلب على الألم، لكن هذه الأدوية أيضا موضع تشكيك من ذوي الأسيرة، إذ يقولون إن الأدوية التي تعطى للأسيرات هي أدوية أعصاب تعمل على إتلاف الدماغ بشكل تدريجي، ويصر السجانون على أن تتناولها.

 

طلبت إسراء من زميلاتها في الأسر قص شعرها رغبة منها في التخفيف عنهن من أعباء مساعدتها، فشعورها بحاجتها الدائمة للآخرين للقيام بأبسط حاجاتها زاد من حالتها النفسية سوءاً، ومن شعورها بالعجز والنقص عن غيرها فأصبحت لا تحتاج إلى علاج جسدي فقط وإنما أيضاً لسنوات من العلاج والتأهيل النفسي.

 

فهناك يختلط ليل الأيام بنهارها، ويتطابق بطن الأرض بوجه السماء، ويشد الألم وثاقه عليها، وتلفحها نيران الحرق والأرق والشوق للأهل والولد، وكم سيتحملُ جسدها المنهك المثقل بالقهر المثخن بالجراح، وهي تفقد حواسها رويداً رويداً كخنساءٍ تغص في الفقد والوجع؟! تُركت أم المعتصم تنادي كل لحظةٍ في سراديب الظلام "وامعتصماه" لكن نداءاتها واستغاثاتها باتت عقيمةً لا صدى لها ولا مجيب، وحملات التضامن معها شحيحةً شديدة الخجل، لا تتناسب مع حجم ما تعانيه من هولٍ وفظاعة، فمن الواجب أو أضعف الإنسانية تسليط الضوء على معاناتها وقضيتها، ودعمها معنوياً على أقل تقدير.

 

تلك المعاناة التي تعجز عن نقلها الكلمات والحروف التي تفقد خوّاصها في التعبير في كثير من المواقف الصعبة، وتُشنق على مقصلة العذاب. كلُّنا في موقعه له مسؤوليته تجاه إسراء، فلو ماتت فينا العروبة فلتحيا الإنسانية، فلنتذكرها لو بكلمةٍ أو دعاء، لنرفع صوتنا عالياً ضد الظلم، ونعطي قضيتها حقها في الإعلام.

 

ليأخذ أصحاب القرار قضيتها على محمل الجد، ويوصلوا ملفها للمحافل الدولية والرسمية ويدافعوا عنها أفضل من تمجيد أفعال آخرين غيرها، وتسليط الضوء عليها أكثر من اللازم فالأمة العادلة تنصر وإن كانت كافرة، والأمة المسلمة تهزم بالظلم. ابتسمي يا جميلة وإن كان درويش كأنه قال فيكِ:

قالوا ابتسم لتعيش

فابتسمتْ عيونُك للطريقْ

وتبرأتْ عيناك من قلبٍ يرمده الحريق