أحبُّ وطني.. لكنَّ وطني لا يحبُّني!

blogs حياة بلقاسم

لقد جفَّ حبر التمني .. فليكتب القدر ما يشاء

كانت تلك أخر كلمات دوَّنتها فتاة مغربية في مقتبل العمر في صفحتها على الفايسبوك، لم تعلم حياة بلقاسم، تلك الطالبة الجامعية في شعبة القانون بمدينة تطوان أن كلماتها تلك سوف يكون لها الوقع الكبير داخل نفوس شرائح واسعة من الشعب المغربي، كيف لا وهي التي كانت ضحية طموحها الذي دفعها أن تركب الموت وتشق طريقها وسط البحر حالمة بمستقبل زاهر بعيدا عن متناقضات هذا الوطن الغريب، غير أنها لم تعلم أن الموت سوف يأتيها من وطنها الذِّي أبى إلاَّ أن يرفض منحها تأشيرة مغادرته، لم تعلم الفتاة العشرينية أن الموت لن يأتيها من موج البحر كما يعتقد كل مهاجر سري اختار الهروب عن طريقه، بل من رصاص وطنها الذي كان يفترض أن يحتضنها كما تحتضن الأم أبناءها.

لا يمكن وصف مشهد شباب مدن شمال المغرب وهم ينتظرون زوارق "الفانتوم" الإسبانية كي تقلهم إلا الفردوس الأوروبي إلاَّ بالمشهد السريالي الذي لم يستطع حتى أعتد الشعراء وصفه في دواوينهم، كيف لا وآلاف الشباب المغربي في عمر الزهور بات يرى مستقبله داخل حدود الوطن مظلماً، هذا إن اعتقدنا بوجود هذا المستقبل أصلا، ولم تكن حادثة مقتل الشَّابة حياة برصاص البحرية الملكية المغربية سوى تأكيد لهذا المشهد السريالي، فحتى قوات خفر السواحل التركية لم تجرؤ يوما على إطلاق النار صوب المهاجرين من أراضيها في اتجاه أوروبا، كذلك إيطاليا لم تقدم على فعل إجرامي كذاك وهي التي عانت الأمرين من خلال تدفق المهاجرين غير الشرعيين على جزرها في البحر المتوسط سنوات التسعينات، حتى إسبانيا التي كانت حياة تُمنِّي نفسها في بلوغ أراضيها لم تفكر في توجيه رشاشاتها صوب حياة ومن كان برفقتها، وحده المغرب كان له رأي أخر، إما الموت ذليلا على أرضي أو الموت مقتولا في مياهي.

لطالما تغنت الأجيال السابقة بأناشيد وطنية تبعث على الفخر والاعتزاز، والإحساس بالانتماء الذي لا يضاهيه أي إحساس، فما الذي دفع بنا نحن أبناء هذا الزمن إلى التخلي عن هذا الإحساس الجميل!

لم تفلح جميع برامج التنمية وخلق فرص التشغيل التي ما لبثت الحكومة المغربية في إطلاقها منذ سنوات، في امتصاص الكم الهائل من الخريجين المغاربة سواء من الجامعات أو من مراكز التأهيل والتدريب المهني، حيث أن أعداد العاطلين يزداد كل سنة وذلك راجع إلى انعدام رؤية واضحة لدى الدولة المغربية في وضع حد لهذه الظاهرة المجتمعية التي تزيد من نقمة الشباب على ساسة وطنه وحكوماتها المتعاقبة، إذ لا يمكن بتاتاً للعدد المحدود من مباريات التوظيف داخل سلك الوظيفة العمومية والتي تعلن عنها الحكومة سنوياً أن يستوعب الكم الهائل من حاملي الشهادات الطامحين في وظيفة تحفظ كرامتهم، وهو نفس الكلام الذي ينطبق على القطاع الخاص.

 

حيث أن الحكومة المغربية لم تبذل مجهودات واضحة في جلب الاستثمارات اللازمة لدمج خريجي مراكز التكوين المهني داخل سوق الشغل مما يعود بالنفع على الحكومة قبل الشركات المستثمرة، بيد أنه لا يمكن أن نجزم قطعاً على أن مشكلة البطالة وقلة فرص الشغل هي السبب الوحيد والأوحد في اختيار الشباب المغربي لركوب البحر وخوض تجربة الهجرة السرية بكل ما تحمله من مخاطر وتجارب سابقة مريرة، إذ أنَّ أهم ما يمكن أن يدفع المرء لاتخاذ قرار تأجيل موته على الاستمرار في الحياة هو انعدام الكرامة، فبغياب الكرامة تغيب قيمة الشخص، وتغيب حضوره في عيش حياة كريمة كأي آدمي في هذا العالم. 

ويظل التساؤل المطروح، ما معنى أن نحب الوطن! وما معنى أن يحبنا الوطن! أي علاقة تربط الإحساس بالوطنية والانتماء بالحب! ما الذي سيدفع شخصا أن يحب وطنهُ إن كان يرى أن لا مستقبل له فيه، ما الذي يجعل الوطن محبوباً للذين يعيشون على أرضه! لطالما تغنت الأجيال السابقة بأناشيد وطنية كان من المفترض أنها تبعث على الفخر والاعتزاز، والإحساس بالانتماء الذي لا يضاهيه أي إحساس في الكون، فما الذي دفع بنا نحن أبناء هذا الزمن إلى التخلي عن هذا الإحساس الجميل! هل نستطيع العيش حقا دون وطن! وبين زوارق الفانتوم.. ورصاص خفر السواحل.. قُتلت حياة.. وانتهت الحياة.