جمال خاشقجي.. شهيد القلم!

هنا ستجد كل يوم مدونة تتحدث عن الصحفي السعودي جمال خاشقجي، قد يضيرك تكرار القصة أو حتى الروايات التي تتداولها الأخبار، هنا حرقة مدونين، وكتاب، ومعارضين ينتظرون خبر رجوعه سالما غانما، أو ميتا وله قبر معلوم نترحم عليه كل صباح، نعم عزيزي القارئ وصلنا لحافة الأمنيات، فلم نعد نتمنى السلامة بل الموت بسلاسة بعيدا عن التصفية والتشويه، فليتسع صدرك لهذا النحيب الحرفي، الذي لا نملك سواه، ولا نقتل إلا بأثره. 

دخل ولم يعد، هكذا نُقل الخبر إلى مسامعنا بنبرة خوف وقلق، الكاتب والصحفي السعودي جمال خاشقجي قدم إلى قنصلية بلده من أجل المصادقة على وثائق زواجه المقبل، رصدته كاميرا الدخول، ثم تعطلت الكاميرا نفسها عند الخروج، امرأة خارج أسوار القنصلية تنتظر رجلا وزوجا مستقبليا يأتيها بمباركة إدارية تفرج عن فستان أبيض، وبدلة سوداء، فما كانت تعلم أن الأدوار ستنقلب ويضحى أبيضها كفن له، وأسوده لونا لأيامها القادمة.

لا قتيل من دون جثة، ولا معارضا من دون مقابلة تلفزيونية أو مقالة صحفية وقد تصل لتغريدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فكانت تهمته الوحيدة هي الاعتدال، هرب لمنفاه طواعية بعد أن تعفن الوضع في بلده، لم يستطع سد أذنه ولا حتى إغماض عينه، فقرر الفرار بعيدا، لم يكن معارضا شرسا، ظل يردد ولائه للملك مع بعض الاعتراضات التي وجهها لولي العهد، لكن كل السنوات التي خدمها في البلاط الملكي لم تشفع له، وكل الخبرة التي وظفها في الإعلام السعودي لم تجعلهم يتراجعوا أو حتى يتأنوا للحظة واحدة في تصفيته، إلى غاية هذه الدقائق تصر خارجية بلده على أنه مفقود، وأن الخزائن والأدراج شاهدة على ذلك، وكاميرات التسجيل أخذت إجازتها في ذلك اليوم المشؤوم. 

نحمل الحقائب حين تضيق بنا شوارع الوفاق، ويخوننا حزب الصمت الذي يعتمده الخائفون والرافضون، حين نهدد بأجسادنا، وأولادنا وأحبابنا، نرحل لأرض أخرى نمارس فيها حق الحياة، هاربين من بطش الحكام، وتهور الصبيان، نخلع الغلال، ونرفض قضبان السجون المصنوعة بالظلم والتجبر، نرحل بعيدا عنهم وعن ممارساتهم المجحفة في حق أهالينا، نختار الغربة كآخر الحلول، ومع كل ذلك ترفض أن تختارنا راحة البال، وطمأنينة النفس. 

تكميم الأفواه، تكسير الأقلام، وحجب القنوات، تلك عادات الطغاة، وتقاليد من يحبون السلطة والمال، لا تقل ما ترى، ولا تكتب عما يزعجك، لا تخرج عن الحاكم، ولا تنتقد الملك، قل سمعا وطاعة

من يتوهم أن بقتل جمال خاشقجي سيخاف كل معارض، ويصمت كل معاد للحكم فقد أخطأ، اليوم أصبح الكل جاهزا للموت، باحثا عن اسمه في قوائم التصفيات، متعطشا لقول الحق، والسير في طريق العدل، لم تعد سياسة الحديد والنار ترعب الصحفي ولا الكاتب، بعد أن هبت على الشعوب العربية نسائم الربيع العربي. 

تكميم الأفواه، تكسير الأقلام، وحجب القنوات، تلك عادات الطغاة، وتقاليد من يحبون السلطة والمال، لا تقل ما ترى، ولا تكتب عما يزعجك، لا تخرج عن الحاكم، ولا تنتقد الملك، قل سمعا وطاعة، وأهلا وسلامة، داهن البلاط ومارس الإشادة بالقرارات، لتعيش سليما معافى، كمحكوم بالإعدام، في وطن كل حدوده قضبان، وكل شوارعه زنزانات، السجان حاكم، والقاضي وزير، والحكم وفقا لدستور الأهواء والرغبات.

كتب الأستاذ جمال في سبتمبر/ أيلول 2017: "لقد تركت بيتي وعائلتي وعملي لأرفع الصوت عاليا، لأني لو فعلت خلاف ذلك سأخون أولئك الذين يقبعون في السجون. إني أستطيع أن أتحدث في حين لا يستطيع الكثيرون ذلك"، فما أضيق العيش لولا فسحة الحرف، وما أقسى الظلم لولا عدل الله، وما أنبل الضمير الذي لا يجيد الصمت، ولا يخاف الترهيب والوعيد. 

صوت مفقود هكذا صدر عمود الأستاذ جمال خاشقجي أبيضا ملونا بحبر السائلين، ودموع العارفين في جريدة واشنطن بوست، ومقعد فارغ.. ستقلع الطائرة من مطار أتاتورك إلى واشنطن يوم الأربعاء 17 نوفمبر/ تشرين الأول بعد أن حجز فيها طامعا في العودة بسلام قبل اختطافه وقتله، وبيت سيفتقد صوته، وخطيبة بترت فرحتها، ووطن أعدم قلما لطالما كتبه، ودافع عنه.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن السعودية تبدو لحد الآن فعلا ضالعة نوعا ما بمقتل أو اختفاء الكاتب السعودي جمال خاشقجي، وأضاف أن بلاده وتركيا وآخرين ينظرون بالقضية وسيصلون للحقيقة.

الأكثر قراءة