الإنسانية تندثر.. لماذا لم نعد نشعر بأوجاع الأخرين؟!

blogs حرب غزة

على مرِّ التاريخ وكثرة أحداثهِ ومجرياتهِ نرى القسوة تتمثّل في الكثيرين ممن قُتلت الرحمة في قلوبهم وطُبع عليها، ومن كل أصناف البشر بغض النظر عن صفاتهم ومكاناتهم ولكن ليضرب الله مثلاً لعباده بهم. حينما ترى أُمّاً تفقد ثلاثةً من أبنائها في حرب من الحروب المجرمة وتجد جثثهم ملقاةً على بُعد أمتارٍ من بيتهم ظُلماً وعدواناً تتيقّنُ أن مُعدّلات الإنسانية تتراجع بشكل مهول في كثير من المجتمعات العربية، تتراجعُ بكثرة الحروب والحقد والانقسام والثأر والكثير من العوامل التي تُسهم في نزع الرحمة من قلّوب البشر ليحلّ محلّها شرٌّ لم يجد من يصدّهُ ويُوقفه.

عندما ترى أن سماع أخبار القتل والموت والمصائب أصبح عادياً دون أي ردّك فعلٍ ولا صدمة فاعلم أن مقياس الصدمة ارتفع عندهم حتى أصبح الموت والقتل لا يصدم إنما هو أمرٌ اعتيادي بالنسبة لمجتمعٍ لا يمرّ فيه يومٌ إلا وتسمع الرصاص وأصوات القذائف على مرّ سنين. كثيرٌ من العوامل ساهمت في تدمير المجتمعات وإسقاط الإنسانية فيهم وهدم الرحمة في قلوبهم ومنها:

لبعدُ عن رب البريّة الرحيم الودود، والانشغال عنه بأحوال الدنيا ولغتها، في الوقت الذي بين أيدينا ما يكفينا وهو أعظم الكتب كتاب الله الذي شملت معانيه وكلماته كل شَيْءٍ في هذا الكون، فما لبثت المجتمعات أن أعرضت عن ذكر الله في المصائب والنوازل والكروب حتى أتاهم عقاب الله ووعدهُ بالمعيشة الضنكا. كثرة الحروب في المجتمعات بغض النظر عن خلفياتها وتأجيج الفتن وحدّة الانقسام وتجذيره، أحدد الأسباب المهمة لهذا السقوط الإنساني.

مما يُسقط الشعور بالمسؤولية الإنسانية استهتار الكثيرين بمعاييرَ مهمة منها مساعدة الناس ونفعهم وكما قالي النبيُّ صلّى الله عليه وَسَلَّم "خيرُ الناس أنفعهم للناس" والخيرُ أبوابهُ كثيرةٌ فادخلوه من أي الأبواب شئتم

فالحرب والانقسام وغيرهما من العوامل تضرّرَ منها الكثيرين ولم يسلم من ويلاتها أحد، وما تُنتجهُ هذه العوامل من مصائب وقتل وفوضى وخراب تُصبح معتادةً مع تكرّرها ولا صدمةَ فيها لأنها إذا لم نلجأ فيها لله عز وجل ستطبع على القلوب وتطمس البصائر حتى يُصبح الإنسان كالأنعام بل أضلُّ سبيلاً، ولا يكتفي أولئك المجرمين الذين ينشرون البغض ويُجذّرون الانقسام بين الناس بهذا! بل يَفْجُرُونَ في كيدهم وسوء نواياهم إلى ما هو أكبر وأسوء وأعظم ذنباً عن الله، ولن يقف كل هذا إلا بوحدة الناس واعتصامهم بالله والرجوع إليه والخضوع بين يديه والوقوف أمام هؤلاء المخرّبين للمجتمعات الناهشين لنسيجها.

عدم ردع هؤلاء بأي طريقةٍ كانت اجتماعيةً أو قضائية فالمخربون والمجرمون كُثر، منهم من يرتدي لباس الدين ومنهم السياسي الزائف ومنهم التاجر السارق ومنهم الصانع الغشاش ومنهم الأستاذ والدكتور والشرطي ومن كل الأصناف وبألبستهم المتعددة. أيضاً مما يُسقط الشعور بالمسؤولية الإنسانية استهتار الكثيرين بمعاييرَ مهمة منها مساعدة الناس ونفعهم وكما قالي النبيُّ صلّى الله عليه وَسَلَّم "خيرُ الناس أنفعهم للناس" والخيرُ أبوابهُ كثيرةٌ فادخلوه من أي الأبواب شئتم، ويدخل هذا في صنائع المعروف في الدنيا والتي وصّانا بها رسول الله صلوات رَبِّي وسلامه عليه حينما قال "صَنَائِعُ الْـمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ". ومن ذلك كفالةُ المساكين والسعي عليهم، فإن الساعيَ على المسكين كالمجاهد في سبيل الله أو كقائمِ الليل الصائمِ النهارَ. ومن ذلك إغاثةُ الملهوف وإماطة الأذى عن الطَّريق وسائر شُعَب الإيمان.

إن من واجبنا كمسلمين وأخصُّ الشباب في هذا والحديث لغيرهم أيضاً أن نُحيِي القلوب والضمائر وننشر الإنسانية بأفعالنا وتأكيدها بالدعوة إليها والوقوف صفاً واحداً أمام كل من يريد أن يزرع شرّاً أو يُقيمَ سُوءاً في المجتمع، يجب العمل ليلَ نهار على ما ذكرتُ والبدء من أنفسنا، من ذلك المحتاج والمريض والكبير في السن والطفل، بزرع الابتسامة على وجوه الناس واللطف في معاملتهم واللين في اللسان، بمثل هكذا معانٍ نبيلة تَحيَ القلوب وتلين الجوارح وتبتعد الضغينة عن الناس لارتفاع الكلمة الطيبة وحسن الظنّ والنية النقيّة والأفعال الإنسانية السامية. قِفُوا وقفةَ المصلحينَ لأوطانكم بأبسط المعانِ التي بدأت تندثر شيئاً فشيئاً في مجتمعاتنا وتتناسى حتى يكاد الجار لا يدري بحال جاره ولا الأخ عالمٌ بحالِ أخيه، أقيموا أوطانكم وساهموا في بنائها على الرحمةِ بالإنسان وتجذير الإحسان بين الناس بالبدء بأنفسكم.