شعار قسم مدونات

حينما صرخت وئام شوقى.. بين الحرية الشخصية واللالتزامات الدينية

blogs وئام شوقي

"الحضارة لا تنقل من مكان إلى مكان كما تنقل العروض؛ وإنما تنشأ في بيئة من البيئات، تنبت من الأرض ثم تقوى وتشتد ويزيدها الاتصال بالأمم المتحضرة نموا وازدهارا"

– طه حسين.. مرآة الإسلام


في حوار بين وئام شوقي وهي فتاة سودانية في عمر الثامنة والعشرين وأستاذ جامعي هو رئيس هيئة علماء المسلمين بالسودان الشيخ محمد عثمان صالح، صرخت وئام في وجه الشيخ مستنكرةً أن يكون التحرش بالفتيات نتيجة للباسها غير الملتزم بآداب الشرع من وجهة نظر الشيخ، إنما ذلك راجع إلى مرض المجتمع وهَوَسه بجسد المرأة قائلة: "اللباس الذي أرتديه يحترم إنسانيتي ويخضع لحريتي في الاختيار، ولا يخضع للمجتمع بكل عاداته وتقاليده المريضة والتي يظن أن تلك العادات والتقاليد شريعة".

نحن على كل حال لا نستطيع أن ننكر أن التحرش مرض اجتماعي مسؤول عنه أفراد المجتمع نتيجة لتدهور أخلاقي ونفسي في بنية المجتمعات، وهو يخضع أيضاً لظروف اجتماعية وسياسية تراها الدولة ولا تحرك ساكناً للحد من هذه الآفة الأخلاقية، كل ذلك لا أحد يستطيع أن ينكره أو يغض الطرف عنه. إن الحوار عبّر أول ما عبّر عن مدى إشكالية تلك الأصولية الإسلامية وعدم مجاراتها لخطابات العصر وما يستلزمه من فهمٍ لقضاياه، عبّر عن ذلك الصراع الرهيب بين حرية الفرد والتزاماته الدينية، بين ما تريد النفس أن تحياه وتغرق فيه وبين التزاماتها الاجتماعية، عبّر عن هذه العلاقة المتوترة للإنسان بين الحرية والضرورة.

إن الإنسان في نهاية الأمر لا يعيش وحده وداخل نفسه المحدودة، ولا داعي للدخول في القضايا الفلسفية المتعلقة بأبعاد الإنسان من داخل وخارج وفوق، والقضايا المتعلقة بحرية الإنسان ومدى حدود هذه الحرية، وهل الحرية خير أم شر؟ من قضايا فلسفية عميقة لن تشغل بال القارئ بأي وجهٍ من الوجوه. كلام وئام شوقي عن حريتها جميل للغاية كعادة الكلام عن الحريات وحقوق الإنسان المادية منها والاجتماعية، ومن شدة جماله صفَّق له الجمهور ولمس شغاف قلوب مَن سمعه وعلى رأسهم مَن وجَّهت له الحديث وهو الشيخ رئيس هيئة علماء السودان؛ حيث بدا التلعثم واضحاً عليه ولم يستطع الرد أو إقناع الجمهور بما يريد إقناعه به.

الحضارة والرقي الاجتماعي لم يكونا يوماً مدعاة بأن نتحرر من كل موروث أخلاقي واجتماعي وديني، بل لم تُبْنَ حضارة من الحضارات على مدار التاريخ البشري بالتحرر الكامل من أصول الأمم

نُقِرّ بادئ ذي بَدْء حرية وئام شوقي في كل شيء على وجه العموم، ونقر لها بحريتها فيما ترتديه على وجه الخصوص، وأنه ليس من حق المجتمع أن يفرض عليها شيئاً يخالف قناعتها، نسير معها إلى ما لا نهاية في حريتها، لكننا مضطرون بعد ذلك أن نقول: هَبْ أن مجتمعنا الإسلامي عاش بحريته إلى أقصى درجات الحرية غير ملتزم بأي قِيَم اجتماعية أو دينية، هل بهذه الحرية سوف نصل إلى ما نريد من رُقِيّ؟ هل سنبني بذلك حضارة ننشدها ونأمل يوماً أن نقف على أعقابها؟

 

إن الحضارة والرقي الاجتماعي لم يكونا يوماً مدعاة بأن نتحرر من كل موروث أخلاقي واجتماعي وديني، بل لم تُبْنَ حضارة من الحضارات على مدار التاريخ البشري بالتحرر الكامل من أصول الأمم وعاداتها وطابعها الشخصي، إن أكثر الأمم بداوة مثل اللمبارديين في العصور الوسطى حينما غزوا الإمبراطورية الرومانية وأقاموا فيها على امتداد سنوات طويلة حضارة لهم لم يتخلوا عن موروثهم الثقافي، وظلوا مستمسكين بنُظُمهم وتقاليدهم الجرمانية على ما فيها من تخلُّف وجمود غير عابئين بالنظم الرومانية ومجد روما السالف.

إن المشكلة القائمة بين حرية الشخص والتزاماته الدينية تكمُن في الإفراط الشديد لدراسة الحرية (وهو نابع عن حب الإنسان للحرية) والتفريط الأشد في دراسة أصول الأديان، وعلى وجه الخصوص الدين الإسلامي وهو محور حديثنا، فلم تكن هناك دراسات شديدة الأهمية لمعنى أن نكون ملتزمين بقواعد ومناهج الدين الإسلامي ومغزاها، أو بمعنى غاية في البساطة لم يكن هناك علو لصوت ماذا يعني أن نكون ملتزمين بعلاقة تربطنا بخالقنا؟ ماذا يعني أن يأمرنا الله بشيء ثم أن نلتزم بهذا الشيء أخلاقياً قبل أن نرتبط به كأنه فرض علينا؟ أن يدفعنا شيء ما بداخلنا هو من صميم حريتنا حيال هذا الأمر فنتمسك به قبل التشدق بكلام عن الحرية ومغزاها؟

هذا الكلام عن العلاقة بين الالتزام الأخلاقي لأوامر الدين وحرية الفرد قليل الدراسة في التراث الإسلامي القليل العناية بالدراسات الإنسانية، ولا تكاد ترى إلا مسائل فقهية تفصل بين الالتزام الديني وحرية الفرد، اللهم إلا دراسات قليلة لبعض الأصوليين لم يرتفع صوتها بعدُ في جانب مجتمعنا.