شعار قسم مدونات

بين نداء تونس وحركة النهضة.. لماذا انتهى التوافق بينهما؟

blogs السبسي و الغنوشي

تسارعت الأحداث سريعا بالمشهد السياسي التونسي منبأة برؤية مستقبلية جديدة قد تعيد إلى الأذهان مشهد ما قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية أين كانت حركة النهضة متسيدة مؤسسات الحكم خاصة البرلمان ولتجد نفسها في فوهة بركان المعارضة التي تشكلت أولا بالأحزاب اليسارية بقيادة حزب العمال وبعض الأحزاب الأخرى التي رفضتها جماهير الثورة بعد هروب بن علي.
 
بداية الأسبوع كانت حارقة بأحداثها المتتالية والمثيرة والتي تحمل في طياتها تأثيرات غير معلومة العواقب على المشهد السياسي من جهة وحتى الأمن القومي من جهة الثانية. الحدث الأول وإن كان محتواه معلوم سابقا ومكرر منذ خمسة سنوات تمثل في انعقاد ندوة صحفية من طرف الجبهة الشعبية تتهم فيها حركة النهضة بمسؤوليتها المباشرة في اغتيال كل من شكري بلعيد ومحمد البراهمي المؤسسان السابقان للجبهة صحبة الرفيق حمة همامي من خلال تكوين جهاز سري يحمل المسؤولية المباشرة في عملية الاغتيال من جهة ومحاولة اختراق وزارة الداخلية من جهة أخرى.

إن كان هذا الحدث قد حرك بعض الأصوات الراكدة وأعادت لنا نفس الأسطوانة المكررة ونفس الصراع السياسي الحامل لخلفيات ايديولوجيا، فانه لن يغير الكثير كون كل ما قيل مكانه قصر العدالة وليس الندوات والمؤتمرات الصحفية. الحدث الثاني وهو بالتأكيد الأبرز اعتبارا لمسه لدفة الحكم وذلك بإعلان الطلاق ونهاية التوافق بين حركة نداء تونس وحركة النهضة الإسلامية. ما هي أسباب ذلك وتداعياته؟

بلغنا أخيرا نهاية التوافق المغشوش الذي ساهم كثيرا في تعكير صفو الشعب التونسي وكرهه لدنيا السياسية ومخرجاتها، لعل هذا الطلاق يعيد رسم صورة جميلة ومغايرة لما عاهدناه طيلة أربعة سنوات

بداية القصة بين هذين الحزبين الكبيرين بتونس، انطلقت على النقيض والنفور، فحركة نداء تونس بزعامة الرئيس التونسي الحالي الباجي قائد السبسي، كان الدافع الرئيسي من تأسيسها هو كبح جماح الحركة الإسلامية التي تسيدت المشهد إثر رحيل المخلوع واكتساحها لانتخابات المجلس التأسيسي سنة 2011 كأول حركة إسلامية تبلغ سدة الحكم في تونس بعد 60 سنة من حكم الحزب الواحد، حزب الحر الدستوري بمسماه القديم أو التجمع الدستوري الديمقراطي خلال آخر أيام بن علي لتكون حركة نداء تونس الوريث الشرعي لحزب الدستور والباحث عن إعادة السلطة لأهلها حسب زعم قادتهم. بنى الباجي قائد السبسي برنامجه الانتخابي على معادة النهضة واعتماده على سياسة التخويف وربطها بالإرهاب والرجعية، لكن كانت المفاجأة صادمة لمسانديه قبل معارضيه بإعلانه على التوافق مع حركة النهضة وتكوين حكومة مشتركة إثر انتخابات 2014.

تعددت الأسباب والروايات حول إنهاء القطيعة وصفحة العسل بين الطرفين، لكن يظل السبب القوي هو تمسك النهضة بيوسف الشاهد كرئيس للحكومة رافضة لكل محاولات الجذب من طرف الشق الموالي لابن الرئيس حافظ قائد السبسي لتغيير الحكومة وإبعاد الشاهد عن صدارة المشهد كونه قد يمثل عقبة أمام رئيس الجمهورية لإعادة ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة أو ترشيح ابنه، اعتبارا للمكانة التي أصبح يتمتع بها الشاهد والحالم لأخد كرسي الرئاسة خلفا لعرابه ومكتشفه الباجي قائد السبسي، الذي دفع بشاب مغمور لرئاسة الحكومة فأصبح عقبة كبيرة نحو طموحاته السياسة رغم اقترابه من عتبة التسعين سنة.

رفض حركة النهضة الانتصار لرغبات شق حافظ السبسي بإقالة الحكومة الحالية في ظاهره دافع عقلاني كون الوضع الذي تعيشه تونس يتطلب المزيد من الاستقرار رغم فشل الشاهد في تسيير دواليب الحكم وخضوعه المباشر لقرارات الصندوق النقد الدولي، وهو ما أثار حفيظة الرافد الاجتماعي الاتحاد العام التونسي الساعي هو أيضا لإسقاط حكومة الشاهد، لكن السبب الأساسي هو سعيه لإشعال البيت الندائي الداخلي وتأجيج الصراع بين طرفي الصراع حتى تزيد من إضعاف خصمها المباشر قبل انتخابات 2019 وسعيها لإعادة بسط هيمنتها من جديد حتى لو كلفها فك الارتباط مع رئيس الجمهورية الذي كان الشخصية المحورية صحبة راشد الغنوشي في إدارة دواليب الحكم من وراء الستار وبأوامر فوقية من لدن الشيخين رغم احتجاج وتضارب المواقف بين بقية مكونات كلا الحزبين الأولين بتونس ما بعد الربيع العربي.

الأيام القادمة ستكون بالتأكيد حبلى بالجديد من ناحية إعادة تشكيل الخارطة السياسية بعد نهاية التوافق، والذي لن يمر مرور الكرام، إذ أنه ستكون له العديد من تداعيات وتأجيج الصراع من جديد بين حلفاء الأمس وأعداء اليوم وأيضا ما قبل مرحلة التوافق، إذ اشتد الصراع آنذاك على الهيمنة السياسية وأيضا على هوية ونمط المجتمع بين هوية محافظة تدعو إليها النهضة وأخرى متحررة وثائرة على الفكر الإسلامي ينادي بها النداء صحبة بقية التيارات اليسارية. لكل بداية نهاية، وهنا بلغنا أخيرا لنهاية التوافق المغشوش الذي ساهم كثيرا في تعكير صفو الشعب التونسي وكرهه لدنيا السياسية ومخرجاتها، لعل هذا الطلاق يعيد رسم صورة جميلة ومغايرة لما عاهدناه طيلة أربعة سنوات لم ينهزم فيها لا النداء ولا النهضة، إنما كان الخاسر الوحيد الوطن.