أُمّي تخافُ كلَ شيء!

blogs الخوف

استوقفتني جملةٌ في كتابٍ أو السيرة الذاتية، أو حتى الرواية، الذي لا أعرف لأيَّ تصنيفٍ ينتمي، الضوء الأزرق لحسين جميل البرغوثي، حين خاطبه رفيقه الذي قد يكون لهُ معلمه ومرشده، قائلاً: "أنت كأُمي: لا تفهم روحَ الفنان"، لم أستطع المرور عن هذه الجملة مروراً عادياً، استوقفتني، وسلبتُ منها نظرةً استثنائية، تُرى لماذا قال أمي ولم يذكر أحداً آخر؟، ولما أمه لا تفهم روحَ الفنان؟، أهيَ ساذجة؟، أم أنها لا تملك الحس والشعور الفني؟

أطرقت في الجملة، وبالفعل أيقنتُ، واعتقدت اعتقاداً جازماً، أن أمي لا تفهم روح الفنان، وأنَّ أمي تخافُ التجربةَ والمغامرةَ دائماً، وأنها ترفض ما هو غيرَ مألوفٍ وشائع، وأنّ الذعر قد يصيبها من الأمور التي نراها جداً عادية، حتى أننّا نفعلها بلامبالاة، وعندما تعلم بها، تنزعج من تصرفنا. وأن أمي لا تريدني أن أخوضَ التجاربَ غيرَ التي خَبِرتها هي، وأدركتُ بعد مدة، أنها لو استطاعت أن تعزلني عمّا تراه يُؤذيني لَما قصَّرت في ذلك، وأنّها لو امتلكت الفرصة في تحديد اختياراتي لَما توانت لحظةً، وهذا ليس لشيء بل لخبرتها في الحياة ونظرتها التي ترى فيها أوسع مما نرى، وتحسُّ الخطرَ قبل أن يقع، فكأنها جهاز كشفٍ عن الألمِ قبل الإصابة.

حتى ولو أنها تمكنت من اختيار صديقاتي وأصدقائي لفعلت، ولهذا اعتدتُ أن أُعرِّفَ أمي على مُحيطي، وأسألها من لم يرتح لهُ قلبُها، لأتأهبَ لصفعةٍ منه قبل أن تحدث، وبالفعل كلَ من لم يُعجب أمي منذ البداية، أثبتت لِيَ الأيام أنَّه لا يستحقُ صُحبتي، فَلَعلَّها رُزقت هذه الفِراسة من خبرتها في الناس، أم أنها تلك بصيرةُ الأم التي لا تعرف الخطأ؟ كلُ هذا ليس رغبةً منها في التحكم، أو حباً للسيطرة، إنّما هو عبءٌ يُضاف لِما تحملُه على روحها وجسدها، يومَ أنجبتنا إلى أن نموت، وهي التي ترى قلبها يحضننا جميعاً، وحبَّها هو الذي يروينا، يوم تُعطِشُنا الدُّنيا شقاءً.

نعم أمي تخاف علينا من الحياة، تخافُ أن نخوضَ التجاربَ ونفشل، تخاف أن نسعى ولا نجد فَنشقى، تخاف علينا غضب الرب، فلا تَكِفُ عن الدعاء لنا في صلواتها

وكنت أشعرُ لو أنَّ الصلاةَ تُقبَلُ منها عنّا لأدتها بخشوعٍ وطمأنينة، خشيةً علينا العذاب، ولو أنَّها تستطيع نقلَ ألَمِنا لها لركضت نحوه بكل سرور، وهي بالفعل تفعل هذا، تَراها تقوم بكل ما تستطع، مُحاولةً تخفيفَ وجع الحياة علينا. ورأيتُ أنَّ أعباءنا لا نحملُها وحدنا، هي من تُشاركنا حملَها، ويومَ يُصيبنا الحزن، نراها هي من تحزن أكثر منّا على حالنا، وإن أصابنا المرض، ننسى وجعنا وننظر كيف هي تتألم أكثرَ منّا لألمنا، فنصبحُ ونُمسي ونحنُ نفكرُ كيفَ لنا أن نطمئنها؟

نعم أمي تخاف علينا من الحياة، تخافُ أن نخوضَ التجاربَ ونفشل، تخاف أن نسعى ولا نجد فَنشقى، تخاف علينا غضب الرب، فلا تَكِفُ عن الدعاء لنا في صلواتها، وتُصاب بالذعرِ يومَ تشعر أننا قد نسقط، وتتمنى لذاتها السقوط، فهي حتى عندما نرى نفسنا كَبرنا، وأصبحنا قَدْرَ مسؤولياتنا، لا تظن أنها ربّتنا حتى أضحينا قادرين على النهوضِ بعد كل تعثر.

وهنا أيضاً فلنقف قليلاً، وننصف أمَّنا التي تكون مُحقة، لأننا في كل عثرةٍ نركض نحوها، وكلِ مشكلةٍ نجد عندها حلَّها، نشكو لها الدنيا، فتحمل هيَ همَّنا، وتعيننا على النهوض، وتسكنُ أرواحنا لحديثها، فننهضُ أقوياءَ كما كنّا، وأدركت هذا بالفعل، عندما رأيت أحدهم قد بلغَ الستين، شابَ، ولا يزالُ يرفض ذاك الشيب الأبيض، أصابته وعكةٌ صحية، فوضع رأسه على يده على الطاولة، قائلاً: "آه يا أمي"، حينها آمنت أن الوجعَ والألم لم يكن يطيبُ إلّا بأمي، قالها ويبدو أن الحياة أثقلته، وأنها تركته على طرقاتها وحيداً، في المعركة يقاتلُ وكل شيءٍ على الطرفِ الآخرَ ضده، وأنه لم يعد له ما يسنده، وأنَّ من اتكأ عليه أياماً، دون أن يشعر بدوره، هو اليوم غير موجود، أصبح ذكرى، ولم يبقى له سوى آهات النداء، وتنَهَّدَ تنهيدةً طويلة، تلك التنهيدة التي يستنجدُ فيها الراحة لتأتيه، وما هي بآتية،.

 

رفع رأسه وكان من الواضح أنه ثقيلٌ جداً، حتى بدا جسدَهُ يطالبُ رأسَه بالانفصالِ عنه، لأنَّهُ لا يقوى حمله، أثقلته الحياة بالهموم، والأصعب أنها تركته وحيداً، بلا ذاك الذي يخاف عليه من أن يؤذيه النسيمُ العليل، وتركني أنا مذهولةً أفكر حالَ الدنيا دون خوف أمي، وأيقنت أنه لا تكونَ لي دُنيا بلا قلق أمّي، وأنا التي كثيراً ما منعتُ نفسي أشياءً أردتها، خوفاً من خوفِ أُمي عليّ، ورغبةً مني بألّا أُثقِلَها بأمورِ حياتي أكثر، حتى بتُ أخالُ نفسي مُقيدة، وأرى خوفَ أُمي وقلقها عليَّ من الدنيا يُحاصرني، ويُكبِّلُني في سجنٍ من الخوف من ذُعر أمي حتى لدقائقَ معدودة، فما كان مني إلّا أن وقفتُ ودعوتُ ربي بأن يحفظها دائماً، تخافُ علينا، ولا أحد يخافُ علينا بقدرها، نعم أمي تخاف، أمي تخافُ كثيراً، أُمي تخافُ كلَ شيء، ولكنّي دون خوف أمي أنا لا شيء، وأخاف وأرتعب من كل شيء.