قصة الثلاث سمكات.. اختر سمكة واحدة من ثلاث!

blogs تأمل

أنت ممتن للحياة فقط لأنها قصيرة، ستعذبك قليلا ببعض فتنها وبلاياها ثم تتيح لك فرصة الشفاء من أدوائها، تُدخلك في قفص من أقفاصها وتستحيي أن تسجنك في جميعها، يكفي أن تعيش تلك المرارة والألم مرة أو بعض مرات، لتعرف أن هناك حياة وهناك حياة؛ هناك حياة لن تعدو فيها سوى ضحية من ضحاياها، عائم أنت حد الثمالة في أغوارها، غارق في أوحالها حد الإدمان؛ وهناك حياة أنت سيدها تطل من عليائها لترى صورتها أمامك واضحة، والناس فيها أسرى لا ينفكون عن معاركة أمواجها فاقدين البوصلة، بوصلة الخروج من الأزمات والأقفاص؛ كما أن هناك حياة تفتقِد فيها معناها الأصيل، فتعيش مغتربا عن الذات أو موتا قبل أوان.

يبدو أن قصة الثلاث سمكات جديرة بالتأمل والتمعن، تلكم السمكة الأولى التي ضاقت ذرعا من حياة البحر استجمعت كل قواها مرة لتُمَكن نفسها من الخروج منه بغية استكشاف ما وراءه من عوالم، فكانت النتيجة عظيمة، ففضلا عن معرفة العالم الخارجي، حسمت العودة إلى عالمها الطبيعي – البحر – لكن هذه المرة بديناميكية أفضل وأسلوب أحسن مما كانت تعيشه قبل خوضها لرحلتها الاستكشافية، أما الثانية فلم ترغب مغادرة البحر وبقيت طوال عمرها تعيش على نفس الحال وعلى نفس المنوال حتى قضت نحبها، والثالثة قررت مغادرة البحر نهائيا دون التفكير في العودة، فكان مصيرها أن لقيت مصرعها لعدم تحملها تبعات هذا الاختيار.

إن مثلُ البحر عند السمكة، بمثابة لوازم الحياة عندنا "المال"، "السلطة"، "الحب".. والتي لا نستطيع التملص من قبضتها، فهي متعلقة بنا تعلقا طبيعيا، لا مفر ولا مهرب أن نسوق حياتنا دونها، إنها منا متجذرة في كياننا كبشر، لكن تظل لينا فرصة اختيار كيفية التعامل معها والطريقة التي نتعايش بها معها وهذا ما سيحدد مدى نجاحنا في تطويع هذه الحتميات التي تشكل جزء منا، لأنه من الممكن جدا أن تتحول إلى فِتن ونِقم يتعلّق بها الشخص تعلقا شديدا، يذوب فيها ويأسر نفسه داخلها، فتغيب عنه حقيقة ما يعيش وكيف ينبغي أن يعيش!

ليس كل من جال وصال في المعمور، يعود إلينا أكثر انفتاحا وقبولا للاختلاف إن لم يملك مسبقا تلك القابلية التي تمنحه اكتساب آليات فكرية ونفسية تساعده على إقناع الذات بضرورة تقبل الاختلاف والرأي الآخر

مثلُ السمكة الأولى كمثل البعض منا استيقظوا من الغفلة بعد ما داهمتهم الحياة ببعض الأقفاص، سجنوا فيها لمدة، إلى حين أيقظهم الوجع، فاثروا الخروج منها كي يتعلموا من الحياة نفسها أسلوبا يليق به كإنسان حامل لرسالة نبيلة، حريص على أداء دوره كما ينبغي، محافظا على توازنه النفسي ومسيطرا على نزواته، ويعمل جاهدا حتى على تحمل مسؤولية الأفراد المحيطين من حوله.

فكم نحترم أناسا أغنونا بتجاربهم الحياتية بتجوالهم المستمر في الكشف عن أنماط الحياة المختلفة من عادات وأعراف وأفكار عايشوها مع مجموعات بشرية تختلف معنا من حيث الانتماء والهوية والثقافة، فغالبا ما تجد هؤلاء الرحالة ينظرون بنظرة مختلفة تماما إلى أساليب عيشنا وأنماط تفكيرنا متحررين من قوالب قبلية وقيود وهمية، مقارنة مع من لم تتح له فرصة التعرف عن قرب عن ذلك الأخر المختلف عنا ثقافة وفكرا، واكتفى باستهلاك ما انتجه مجتمعه عبر عوامل التنشئة والتربية والاعلام، ليعيد اجترار تلك الأفكار كل حين وتقمص تلك القيم ببلادة والدفاع عنها بشراسة، معتبرا كل تلقاه هو الحقيقة التي لا تخطئ واليقين الذي لا يناقش.

 

طبعا ليس كل من جال وصال في المعمور، يعود إلينا أكثر انفتاحا وقبولا للاختلاف إن لم يملك مسبقا تلك القابلية التي تمنحه اكتساب آليات فكرية ونفسية تساعده على إقناع الذات بضرورة تقبل الاختلاف والرأي الآخر وكذا مساءلتها حول قيمة تصوراتها وأفكارها، إن كانت تعتبر النموذج الأصلح الذي ينبغي أن يتبع؟ أم يبقى من الضروري بذل مجهود أكبر من أجل مراجعتها للخروج أحيانا من تلك الثقة العمياء والاعتقاد الزائد عن حده؟

فكما نحترم هؤلاء الرحالة الذين أثرَونا بتجاربهم، علينا أن نحترم كذلك بالمثل أو أكثر الذين تمكّنوا من الخروج من نفس نمط الحياة الذي ساروا عليه زمنا طويلا، إنه رحيل من نوع اخر، لن يقتضي منا السير في الأرض كما هو شأن الرحالة وإنما يستلزم منا الرحيل في الذات من أجل الانعتاق من سجن الذات المثقلة بالقيود ثم العودة إليها ثانية، لكن هذه المرة بأسلوب مختلف تماما في ظل رحابة الذات الفسيحة والمنبسطة. فبعدما كلّفتهم الحياة الكثير من المعاناة وحرمتهم من المتع، تخلصوا بإرادة وعزم من قبضة الابتلاءات وعقدة المتاهات، ليعودوا إلى ذواتهم بنمط وأسلوب الحياة مختلفين.

 

إنه الطريق الموصل إلى الحرية من العبودية، أي عبادة النفس، وهو باختصار مواصلة مسيرة التحرر من كل القيود التي تفرض علينا، لذلك تَوجّب علينا وَعْي بتلك القيود حتى يسهُل علينا التخلّص منها؛ أما ذُوباننا فيها أو تَطبّعنا بها فإنه سيقذف بنا في كهوف معتمة تحرمنا القدرة على رؤية كل ما هو خارجي وبالتالي فقدان إمكانية تقييم وضعنا الداخلي وكل مبادرة في إصلاح حياتنا وذواتنا.

يظن بعض الناس أن الحياة تستحق المعاناة والانكسارات وكل التفاني في تعذيب الجسد، ففي قتل منابع الحياة إصرار على سمو الذات حسب هؤلاء
يظن بعض الناس أن الحياة تستحق المعاناة والانكسارات وكل التفاني في تعذيب الجسد، ففي قتل منابع الحياة إصرار على سمو الذات حسب هؤلاء
 

أن تعيش تحت سلطة النوازع والدوافع التي نحيا بها نحن معشر البشر، وأنت باق طوال حياتك تدور في أحد أفلاكها أو بعضا منها مأسورا بقيودها، دون ان تعي من أنت؟ وأين أنت؟ غير قادر على التحكم في عواقب تبعاتها، فاقد القدرة على إدارة المشاعر والأفكار وبالتالي في إدارة الحياة بكفاءة عالية. إنها نفسها تلك الحياة الصعبة التي أحيتها السمكة الثانية والتي عاشت على نفس النمط في ظل نفس الظروف. نفس الأفكار والقيم والتطلعات التي تعوزها التعقل والتدبر واليقظة، إنها حياة الغفلة نصارع فيها فقط متطلبات الحياة وحاجيات النفس دون أن نسعى إلى التحرر من كوابحها الخارجية والداخلية.

الدنيا رجس، الحياة حقيرة، الغرائز كفر، المال نقمة، الحب بدعة.. إنها حياة السمكة الثالثة المنكرة للنعم والجاحدة للمنن، المنصرفة عن المتعة المشروعة انصراف اليائس من الحياة. هكذا يظن بعض الناس أن الحياة تستحق المعاناة والانكسارات وكل التفاني في تعذيب الجسد، ففي قتل منابع الحياة إصرار على سمو الذات حسب هؤلاء، والزهد في العطايا علو في الشأن والمكانة؛ من الضروري إذن كبت هذه الغرائز بطريقة عنيفة نظرا لخطورتها على النفس والقلب بالنسبة لهم. هذه الطريقة في الحياة نوع من الانتحار الرّهباني، الذي هو إشباع للروح على حساب الجسد بكل قواه المادية والطبيعية، بنفس الأسلوب كانت الكنيسة تقتل الجسد ليحي الروح وحده.

أي سمكة ستختار إذن؟ لعلك تختار السمكة الأولى! نعم إنه بإﻣﻜﺎننا القيام بذلك إذا تحصّلت لدينا نوعا من اليقظة اﻟﻔﻜﺮﻳﺔ والإﻳﻤﺎﻧﻴﺔ لتملك اﻠﻘﺪرة ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻌﺎﻟﻲ ﻋﻠﻰ اﻟﻮﺿﻊ اﻟﻤﻌﻴﺶ وبالتالي اﻟﻨﻈﺮ ﻣﻦ ﺧﺎرج اﻟﺼﻨﺪوق أي ﻣﻦ ﺧﺎرج الارتباطات العاطفية والإﻧﺸﻐﺎﻻت النفسية اﻟﺘﻲ ﺗﻔﻘﺪنا ﺗﻠﻚ اﻟﺮؤﻳﺔ اﻟﻤﺘﺤﺮرة ﻣﻦ ﻗﺒﻀﺔ الأقفاص والعوالم اﻟﺘﻲ نغوص فيها غوصا دون أن نستطيع أن نفك ﻣﻦ أﺳﺮﻫﺎ واﻟﺘﺤﺮر ﻣﻦ ﺻﻴﺘﻬﺎ. نعم، رغم وعورة الموقف، رغم الألم الذي يلحق بنا لابد من التضحية الجليلة أحيانا بكل عزيز وغال على النفس، فسنن الحياة لا ترحم أحد!